القانون الحديث المفقود في الطب

أول بحث طبي شامل من نوعه في العالم يكتشف الاسباب الحقيقية للمرض بانواعه المختلفه ويتوصل الي كيفية نشأة المرض وكيفية تطوره بالجسم البشري. وكذلك الي كيفية وافضل طرق العلاج السريع والفوري.وايضا الي كيفية الوقاية من المرض نهائيا. ولاول مرة في العالم الأسباب ا
 
البوابة والاخبار.الاخبارالرئيسيةس .و .جبحـثالأعضاءالتسجيلدخولالعاب on line games

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم . بسم الله الرحمن الرحيم . الله اكبر : السيدات والسادة :. بعد الاستعانة بالله سبحانه وتعالي وبالقرآن الكريم ومن خلال فك شفرات بعض الايات الكريمة التي تتحدث عن المرض وأصوله في الجسد البشري وبعد تطبيق مدلولها عمليا أربعة وعشرون عاما . فنحن يشرفنا وبكل فخر ان نعلن علي العالم اجمع عن اكتشاف قوانين طبية جديدة تكتشف الأسباب الحقيقية وراء اصابة الانسان بالمرض واسرار وغموض المرض باشكاله وانواعه المختلفة تلك الاسباب المجهولة التي لم تخطر من قبل علي قلب بشر اكتشفت بعد البحث والتنقيب في دهاليز وغرف الامراض المختلفة علي مدي أكثر من أربعة وعشرون عاما . وبالتالي وبناء عليها سنلقي الضوء علي جميع النظريات والقوانين الطبيه المعمول بها حاليا علي مستوي العالم وجميع اساليب وطرق العلاج والطب المختلفه التي تتبعها شعوب العالم وتحليلها تحليلا كاملا وبكل شفافية لمعرفة مواطن الضعف ومواطن القوة والخطأ والصواب في كل نوع واسلوب منها كالطب التقليدي والطب البديل باشكاله وانواعه المختلفه بما فيها الرقية الشرعية والاعشاب والابر الصينيه والحجامه والطاقة بانواعها وغيرها وذلك لدراسة ومعرفة اوجه التقصير في هذه الطرق والاساليب العلاجيه ولمعرفة أسباب الفشل الدولي الذريع في عدم التمكن من القضاء علي اي نوع من الامراض حتي الان وسنعلن أيضا عن الاسباب الحقيقية وراء تعدد وتنوع اشكال وانواع الامراض التي تصيب الانسان وكذلك عن التفسير العلمي الوحيد والدقيق لكيفية تعامل جميع انواع وطرق واساليب الطب البديل مع المرض ومن اهم اهدافنا: توحيد جميع انواع الطب والعلاج البديل في اسلوب علاجي واحد فقط اكثر فاعلية وفتكا في القضاء نهائيا علي المرض متمثلا في جذوره في الجسد وليس أعراضه الظاهرة علي المريض . ونأمل في الوصول الي ابتكارعلاج واحد فقط يتمكن من علاج جميع انواع الامراض المعروفة خلال اسبوع واحد او اسبوعان علي الاكثر.وبالتالي يمكن لنفس العلاج من وقاية الجسم البشري من الاصابة بأي مرض مستقبلا. وكذلك القضاء علي امراض الاطفال والامراض الموروثة وأمراض الشيخوخة و الوصول الي خلق أجيال قادمه بدون مرض او تشوهات خلقية .




السيدات والسادة الكرام :ننصح باستخدام متصفح Mozilla Firefox الوحيد القادر علي التعامل مع تقنيات المنتدي الحديثة والدخول اليه بسهولة .

المواضيع الأخيرة .        تخفيضات علي نظم كاميرات المراقبة في مصر بمناسبة شهر رمضان الكريم   اليوم في 15:35 من طرفمها أحمد        انشاء منتدى مجاني,مع أحلى منتدى  السبت 20 مايو 2017 - 9:48 من طرفAhd Allah        علاج السكري بالماء الساخن  الجمعة 21 أبريل 2017 - 15:23 من طرفمختار عبد العزيز        من عجائب تأثير الموسيقى  الجمعة 21 أبريل 2017 - 15:20 من طرفمختار عبد العزيز        الأسوارة الطبية لغز يُربك الوسط الصحي  الجمعة 21 أبريل 2017 - 15:18 من طرفمختار عبد العزيز        كيفية علاج الامراض بالروائح والعطور والزيوت   الجمعة 21 أبريل 2017 - 15:17 من طرفمختار عبد العزيز        دانييل يحلق لحية بارت.  الأربعاء 19 أبريل 2017 - 21:17 من طرفAhd Allah        حركات فيكي جاريرو  الأربعاء 19 أبريل 2017 - 21:13 من طرفAhd Allah        مقياس الغباء  السبت 15 أبريل 2017 - 9:35 من طرفAhd Allah        اطفال مصابون بالبهاق   الإثنين 10 أبريل 2017 - 8:38 من طرفMagdy

إرسال موضوع جديد   إرسال مساهمة في موضوع
شاطر | 
 

  دعوة إلى سبيل المؤمنين

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : 1, 2  الصفحة التالية
كاتب الموضوعرسالة

ام خالد

السادة الأعضاء
avatar






انثى

المساهمات : 993

تاريخ التسجيل : 08/09/2012

العمل. العمل. : الطب


1:مُساهمةموضوع: دعوة إلى سبيل المؤمنين    الجمعة 1 نوفمبر 2013 - 6:25

دعوة إلى
سبيل المؤمنين


(ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا)
النساء 115
طارق زين العابدينالصفحة 4 الصفحة 5
الإهداء
إلى من هنى الثرى به ضجيعا أمجدا
إلى من أضاءت وجناته الليل الأسودا
إلى ضجيع تمرغت حبيبات الثرى عليه تبركا
وتنعمت به خيرا أقام عندها سرمدا
إلى ضجيع مطرت به أرض الخريف القاحل
وازدانت به الأيام في عيش أرغدا
إلى من غطاه تراب الأرض ولا عجب
فمن تحت الثرى دوما نروم العسجدا
إلى زين العابدين المهدلي أبي
أهدي أشواق القلوب توجدا

الصفحة 6 الصفحة 7 المقدمة
الحمد لله الذي علا بحوله، ودنا بطوله، مانح كل غنيمة وفضل، وكاشف كل عظيمة وأزل، أحمده على عواطف كرمه، وسوابغ نعمه، وأومن به أولا باديا، وأستهديه قريبا هاديا، وأستعينه قادرا قاهرا، وأتوكل عليه كافيا ناصرا.
وأشهد أن محمد (ص) عبده ورسوله، أرسله لإنقاذ أمره، وإنهاء عذره، وتقديم نذره (1).
إن ما ستطالعه، إن شاء الله، بين دفتي هذا الكتاب هو طائفة من التحقيقات التي قمت بها خلال مدة دراستي في كليه الإلهيات والمعارف الإسلامية في إيران، حول مسألتين مهمتين هما:
1 - عدالة الصحابة بقضهم وقضيضهم.
2 - مسألة الخلافة بعد النبي (ص)، وما تمخضت عنه أحداث السقيفة وخلاف السنة والشيعة حول هذه المسألة، معتمدا في ذلك على ما جاء حولها في المراجع المعتبرة لأهل السنة والجماعة.
وأنا بدوري أعرض ما توصلت إليه من قناعات على من تهمه المسألة من أفراد المسلمين كافة، من خلال مفهوم (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي) (2)، ومن
____________
(1) نهج البلاغة: من الخطبة 83 (الغراء).
(2) البقرة: 256. الصفحة 8 خلال النضج الفكري الذي يتمتع به أكثر الشباب في هذا العصر العلمي، ومن خلال حرية الاعتقاد والفكر التي يقرها كل إنسان لنفسه ولغيره، كل ذلك بعيدا عن العصبية، والقبلية والقومية، وبعيدا عن المنهج الذي لا يعتمد على الدليل والحجة المقنعة في طرحه لما يعرضه على الناس.
لقد كان هذا التحقيق مما لا بد منه ولا مفر، إذ القضية ترتبط بالاعتقاد والمصير الأبدي، فلم يكن المجال ليسمح بالمساومة أو المماطلة أو الترضيات.
إن الدين الإسلامي لما كان هو نظام الحياة الذي يجب أن يؤسس كل مؤمن حياته عليه ويبني عليه مصيرة، كان لا بد أن يقوم اعتقاد كهذا على أساس يبعث اليقين والطمأنينة. ولا يصح أن تنال المصائر بالظنون والتوهم، أو تنال بالتقليد الأعمى الذي لا يعرف صاحبه الدليل والحجة غير ما كان عليه الآباء والأولون، فإذا سئل: لماذا أنت مسلم؟ فإنه لا يجيب إلا بالصمت والحيرة. وإذا قيل له: لماذا أنت شيعي أو سني أو مالكي أو...؟ تراه يخطرف (1) في الإجابة. كل ذلك لأنه لم يفكر في اعتقاده ومصيره من قبل بحرية، بل قام كل ما عنده من اعتقاد على التقليد الأبوي والاجتماعي، فصار على هذا مسلما: شيعيا أو سنيا.
ولما كان هذا الأمر خاصا للغاية بالفرد نفسه، سواء في هذه الحياة أو في الحياة الأخرى، فمن الجهل أن يعارضه أحد فيما ذهب إليه واطمأنت له نفسه، فلا يجوز إملاء الاعتقاد أو إكراه الناس على نهج يسيرون عليه، ولكن يجوز إقناعهم بالدليل والحجة المقنعة بالروح العلمية الرياضية العصرية، في إطار حرية الاعتقاد التي سار عليها دين محمد (ص) في تعامله مع الفرق والأديان والاعتقادات المخالفة في كل زمان ومكان.
ولقد كنت أتعجب جدا من أولئك الذين عارضوني وخاصموني بشدة، عندما اخترت لنفسي مذهب أهل بيت النبي (ص)، اطمئنانا مني لهذا المذهب الذي هو عندي أكمل المذاهب وأفضلها بال منازع، بل هو ما كان عليه النبي وأصحابه العدول. ويتعبد به اليوم عدد كبير من أمة محمد (ص) في كثير من بلدان العالم الإسلامي.

____________
(1) تخطرف الشئ: جاوزه وتعداه. لسان العرب 9: 79. الصفحة 9 فالذي ليس له الشجاعة لتقبل الحقائق والأدلة المقنعة، ولا يتذوقها إلا مرة، لا يجوز له أن يضايق من رضي بالحق وقبل الدليل وتذوق فيه الطلاوة والحلاوة.
غير أنني لم أغلق الباب أمام من يرى خلاف ما رأيت، ويملك من الأدلة ما لم أملك، على أنه سيظل الباب مفتوحا له، ما دام ينتهج في حواره قوله تعالى: (وادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) (1)، وإلا فالباب موصد.

والله من وراء القصد.

المؤلف
1416 هـ‍ / 1995 م
أم درمان
____________

(1) النحل: 125. الصفحة 10 الصفحة 11 تمهيد

الإنسان بين الواجب الدنيوي والمصير الأخروي.

وجوب التحقيق في أمر العقيدة.

متطلبات التحقيق في أمر العقيدة.

الأسباب الموجبة للتحقيق في أمر العقيدة.
أولا: الفتن والاختلافات الحادة.
ثانيا: تعدد الفرق الإسلامية.
ثالثا: بعد المسافة الزمنية بين زماننا وزمان النبي (ص).
رابعا: حصار أهل البيت وتكميم أفواههم.

إختلاف المسلمين حول ولي الأمر.

الصفحة 12 الصفحة 13 الإنسان بين الواجب الدنيوي والمصير الأخروي
يأتي الإنسان إلى هذه الحياة الدنيا، مبتدئا، إياها بيوم مولده، ثم ينشأ ويترعرع.
وتترعرع في جنبيه آماله وأحلامه، ويقوى تعلقه بهذه الحياة، فلا يسعه فراقها ولا يرضى بغيرها بدلا، فيطوي على هذا الحال سنين طويلة، ويبلغ من عمره ما يبلغ، فتأكل الأيام قواه ويثقل الزمان ظهره بحمل من السنين، فيقعد مرغما عن السعي إلى الآمال والركود خلف الأحلام. وعندها تحين الالتفاتة، وهو ما يفتأ يرى أنه قد بلغ النهاية في عراكه مع أحداث الحياة من أجل الوصول إلى ما كان يرجوه من أسفاره. وها هو الآن يضع عصا الترحال مستسلما لأمر الواقع، إذا قد حانت أشراط الفراق، وقد ازدادت الشقة بينه وبين هذه الحياة، ثم يلفظ آخر أنفاسه خاتما تلك الحياة في لحظة من سكرات الموت.
فهل ينتهي إلى هنا كل شئ؟ وهل تنتهي الحياة بموت الإنسان وتحوله إلى جثة هامدة وعظام نخرة، ثم لا شئ بعد ذلك؟ فإن كان الأمر كذلك، فما هو الفرق إذا بين الإنسان والحيوان، وبين إنسان وآخر من جنسه من حيث المصير؟ ما الفرق بين الناس:
الناجح منهم والفاشل في حياته، وبين الخير والشرير، وبين العادل والظالم؟ أم أن خالق الكون والإنسان لا يهدف إلى شئ من خلقه إياه؟ أم أن وجود الإنسان محدود بهذه الحياة الدنيا فحسب، فلماذا الموت والفناء إذا، ولم لا يترك الإنسان مخلدا باقيا في حياته، ما دام لا شئ بعد الموت، أم أن الخالق عاجز عن إبقائه فيها أبدا؟
الصفحة 14 الكل يعلم - سواء استمد علمه هذا من عقيدة دينية أو من الفطرة - أنه ميت وماض إلى حياة أخرى، وحتى أولئك الماديون فإنهم إنما ينفون هذا لفظا وجدلا لا يقوى على إقناع أو حجة بل يقرون بذلك فطرة أخفوها من خلف مكابراتهم ومرائهم.
إن الحياة لا تنتهي بالموت، وإنما الموت انتقال إلى الحياة الثانية التي تبدأ بما يسمى بالحياة البرزخية. وفي الواقع أنه بالموت يبدأ كل شئ، فالحياة الدنيا ليست سوى تلك الأعمال التي يتصدى لها الإنسان فيها منذ ولادته إلى يوم ارتحاله، والحياة الأخرى ليست سوى حضور تلك الأعمال التي تصدى لها الإنسان في حياته الدنيا بذواتها منذ بلوغه التكليف ثم حصحصتها بلا تجاوز لصغيرة ولا كبيرة. وعلى هذا الأساس - فالناس - وهم في حياتهم الدنيا - سواسية من حيث إن لهم اكتساب هذه الفرصة للتحصيل والتزود كل على قدر ارتباطه بخالقه والتزامه بتكاليفه. وهم بذلك على قدر وافر من الاختيار، بل دون جبر يحول بينهم وبين اكتساب هذه الفرصة السانحة التي لا تتكرر. وطبقا لذلك فهم سواسية أيضا من حيث الثواب والعقاب في الحياة الأخرى، كل طبقا لما اكتسبه في حياته الأولى وما انتخبه من نهج فيها.
إذا فالحياة الأولى مرحلة الاكتساب والتزود، والموت هو لحظة الانتقال إلى الحياة الثانية التي هي حياة الاستقرار الأبدي لما اكتسبه وتزود به سابقا (ليجزي الله كل نفس ما كسبت إن الله سريع الحساب) (1).
إن الحياة التي يحرزها الإنسان في آخرته بلا شك هي حياة أبدية ويمكن للفرد أن يتصور ويمعن الفكر بعمق في معنى تلك الحياة الأبدية، مع العلم بأن الأبدية تعني إلى جانب عدم الانقطاع والانصرام اللاعودة واللارجعة لترتيب الأمور وإصلاح ما فسد منها، إذا أن ذلك أمر ممنوع ولا مجال له قط. فليتصور الإنسان ذلك، وليضع نفسه مرة في موضع من حالفه التوفيق في تلك الحياة الأبدية، ومرة في موضع الذي جانبه التوفيق وحدث على أقل تقدير تقصير في أعماله فأصابه نوع من الشقاء فيها، وليذوق طعم الحياتين في الحالتين معا، حتى يتبين له الفرق الشاسع وخطورة الموقف، حتى تتبين
____________
(1) إبراهيم: 51. الصفحة 15 له أهمية الحياة الدنيا من حيث إنها مجال لا حراز المصائر، وبالتالي يدرك جيدا أن السعي إلى البحث عن سبيل السلام واجب، يحتمه عليه خطورة ما يؤول إليه مصيره الخاص في تلك الحياة التي لا فرصة فيها لإصلاح ما فسد، ولا عودة فيها للبدء من جديد.
فالحياة الدنيا - وهي مجال لأداء هذا الواجب ومنطلق لذاك المصير - ليست مجالا لاكتساب أعمال قد أحيطت بالظنون وطوقت بالأوهام، إذا أنها حياة - وهي تؤدي إلى مصير كهذا قطعا - لا تحتمل ذلك لمحدوديتها وقصرها، فلا بد إذا أن يكون كل فعل يكتسب فيها مؤسسا على اليقين والحق، والفعل الذي يبعث الاطمئنان على النتائج فتأسيس هذه الحياة على الظن والأوهام لا ينتهي إلا إلى هذين. إن أهمية الحياة الدنيا من هذا الحيث لا تقل شيئا عن أهمية الحياة الأخرى، إذ لا بد للإنسان أن يبعد عن حياته هذه كل ما من شأنه أن يباعد بينه وبين السعادة الأبدية في تلك الحياة التي تقوم على أساس اليقين، بل عين اليقين. وهذا هو أصل السعادة وأساس الفوز في الحياة الآخرة.
والسنخية بين الحياة الدنيا والحياة الآخرة واضحة، فما يفعله الإنسان في هذه الحياة يحضر بعينه وبصورته النوعية الحقة ليجده الفرد هناك أمامه، بل كل فعل وكل شئ آنذاك يتجلى في صورته الواقعية التي لا نستطيع ونحن في حياتنا هذه - ما دمنا قد بنيناها على الظن - أن ندركها كما هي في الواقع الحقيقي، وهذا هو اليقين المطلوب في هذه الحياة، الذي تكون علائمه التي تشير إليه هي اليقين المطلوب في هذه الحياة في أدنى درجاته.

الصفحة 16 وجوب التحقيق في أمر العقيدة
والحصول على هذا اليقين أولى ما يكون في العقيدة، إذ أنها أصل لكل فرع، وفساده في فسادها الذي هو موجب لكل فساد لا محالة، إذ العقيدة هي التي نعنيها بالتحقيق والتصحيح حتى تبدو وقد تأسست على الحقيقة واليقين، فلا بد إذا من التحقيق من سلامتها بالفحص وإعادة النظر وتقليب البصر وإعمال الفكر والتدبر في أحوالها.
والعقيدة لا تورث حتى ندعها للفطرة وحدها، والاتكاء على اعتقاد الأسلاف والآباء والأجداد ممنوع: (وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا، أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون) (1)؟
وأرجو أن يظن أحد أن هذا منحصر بنقض عقائد المشركين التي ورثوها عن أسلافهم فحسب، بل يمتد ليشمل العقيدة التي ورثها أصحابها عن الأسلاف، ظنا منهم أنها من الإسلام في شئ. والسبب في ذلك أن عقائد المسلمين قد تلونت وتقسمت وتعددت وتفرعت بسبب الاختلافات والفتن التي عصفت بالرعيل الأول من المسلمين، وما ورد على عقائدهم من عقائد الأمم والوافدين. ولو لم يكن غير هذا لكان كافيا في إيجاب النظر والبحث في ما بلغنا من اعتقاد السابقين، ولكن الرسول (ص) قد صرح محذرا أمته إذ يقول (ص) (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة). إذا فالاختلاف الذي وقع
____________
(1) المائدة: 104. الصفحة 17 بين المسلمين إلى اليوم يؤيد ما ذهبنا إليه في وجوب التحقيق والبحث في ما بلغنا من اعتقاد، وإلا فكيف نطمئن على حصول السلامة وبلوغ النجاة؟ وكيف نثبت ذلك ونقيم عليه الدليل والحجة؟ هذا أمر لا أظن سيستهونه مسلم ارتبط مصيره بيوم فيه حساب ثم ثواب أو عقاب ولا إنسانا صدق باليوم الآخر ولا يرجو فيه النجاة والسلامة، فالتحقيق والبحث هو السبيل إلى بلوغ هذه الغاية والحصول على النجاة المطلوبة.
وما يجدر الإشارة إليه أن الذي يفجعون بالمصير السئ والنهاية والمشؤومة في تلك الحياة الأخرى هم الذين سكنت نفوسهم للموروث من العقائد، ظنا منهم أنه الحق، وتلذذت أنفسهم بنشوة الغفلة وهدأة النفس لها، ولما أصابوه من هذه الحياة.
وهؤلاء إما أنهم قد أطلقوا للنفس زمامها وحبلها على غاربها بالتهاون والتساهل في أمر الدين ونسيان الحياة الآخرة وعدم مراعاة أمرها بتصحيح اعتقاد أو أداء تكليف، أو أنهم ركنوا إلى الأوهام في اعتقادهم وغاصوا في بحار التوهم بحثا عن اللؤلؤ، دون أن يتفطنوا إلى أن اعتقادا كهذا لا وجود له حتى يأتي باللؤلؤ النفيس، فليس الوهم إلا عدم محض لا يوجد إلا في الخيال.
أو أن هؤلاء قد استلقوا في أحضان الظن في أمر العقيدة. وذاقوا بهذا يسيرا من مذاق الحقيقة بعد اختلاطها بقدر جم من الباطل، وهم في غمرة هذا المذاق الحلو الذي يتلمظونه بين كم من المرارة ركنوا لمذاق الباطل الذي خلطوه به ظنا منهم أن للحق مذاقا كهذا إذ أنهم خطوا عملا صالحا بآخر سيئا (إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا) (1).
والذين يمحصون اعتقادهم الديني ليبلغ حد اليقين أو قدرا من اليقين تضعف نسبة الشك والظن فيه بصورة تجعل مقدار الشك لا يؤدي وجوده إلى زوال الطمأنينة في الاعتقاد، فهؤلاء أقرب من غيرهم إلى النهج الذي رسمه النبي الأكرم (ص) لكي يسير عليه الناس، بل هؤلاء لا يعجزون عن التماس الأدلة والحجج القوية على اعتقادهم هذا من حيث موافقته لآيات القرآن وأحاديث النبي (ص) ومسلمات العقل وفطرياته، فهم في
____________
(1) النجم: 28. الصفحة 18 حقيقة الأمر يأنسون، في اعتقادهم الممحص هذا، إلى التفسير السليم لنقاط الخلاف بينهم وبين الفرق الأخرى، تفسير يخلوا من التكليف الذي لا يرضى أبدا في مثل هذه المواقف، بل يقفون على أعتاب التفسير الحكيم لهذه النقاط الخلافية دون أن تتلجلج النفوس الحرة في قبوله ودون أن يخالفه القرآن أو الحديث أو مقتضيات العقل المتوازنة فهكذا يجب أن يكون الاعتقاد في المسائل الدينية الأصلية، ولا يتأتى ذلك إلا ببذل الهمم في البحث والتحقيق - كما أسلفنا - والتنائي عن العصبية والجاهلية والتقليد الأعمى.

الصفحة 19 متطلبات التحقيق في أمر العقيدة
إن من حزم الأمر على التحقيق والبحث في اعتقاده فهو لا يستطيع إحراز شئ من تحقيقه إن كان مفعما بالتعصب والتقليد اللذين لا يتيحان الفرصة للتحقيق الحر، فلا بد له لكي يكون حر الحركة والتفكير أن يفرغ نفسه من كل ما يكون أن يتسبب في إفساد التحقيق عليه والحيلولة بينه بين ما يصبو إليه من بحثه، وأن يهيئ نفسه جيدا لتقبل الحقيقة التي يصل إليها، بعد نجاز التحقيق والاطمئنان إلى سلامته من حيث المنهج السليم والأدلة المقنعة بلا شك، لأن الخوف من خوض التحقيق أو الخوف من تقبل النتيجة عدو المحقق النزيه، فالنتيجة تحتم عليه رحابة الصدر لتقبلها باعتبار أنها الحق، بل تحتم عليه الدفاع عنها وعرضها على الآخرين. ومن لا يهدف إلى هذا من تحقيقه وبحثه فعليه ألا يشرع في شئ من التحقيق لأنه يكون عندئذ مضيعة لوقته، بل يكون عبثا ولعبا، ولماذا يحتمل المشاق ويقطع الحجة على نفسه ثم لا يقبل نتيجة بحثه وتحقيقه ولا يدافع عنها؟
ثم إن المحقق والباحث في مسألة الاعتقاد الديني له ثوابت أساسية ينطلق منها باديا بحقه وتحقيقه، فهو لا يستغني عنها أبدا، ولا يتجافى عنها في بحثه عن الاعتقاد الكامل السليم. وهذه الثوابت الأساسية تتمثل في:

الإيمان بالله، فهذا اعتقاد استقر في قلوب المسلمين، وهم في ذلك سواء: إذا أننا لا نجد فرقة تدعي الإسلام دون أن يكون لها اعتقاد وإيمان بالله تعالى، بل إنها بغير هذا الصفحة 20 الاعتقاد تكون على نقيض الإسلام، فالله تعالى موجود وهو لخالق والمدبر للوجود بأسره، ما علمنا منه وما لم نعلم.

الإيمان بالنبي (صلى الله عليه وآله)، باعتباره رسولا من قبل الله تعالى إلى الناس كافة، وهو خاتم الأنبياء والرسل، معصوم مبرأ عن كل ما يقلل من شأنه، وجبت طاعته في أوامره ونواهيه.

الإيمان بالقرآن كتاب الله الذي أنزل على نبيه المصطفى (صلى الله عليه وآله) كتابا محفوظا تكفل الله بحفظه عن التحريف والتبديل، وهو المعجزة التي بينت صدقه (صلى الله عليه وآله).
فالقرآن هو الدليل على نبوة محمد (صلى الله عليه وآله)، وهو - من ثم - الدليل على وجود الله وخالقيته وربوبيته ووحدانيته إضافة إلى الدلائل الأخرى المبثوثة في الأنفس والآفاق، وذلك لأن طبيعة القرآن الإعجازية تفرض على البشر ذلك الاعتقاد، إذ أنهم - بإزاء القرآن - قد عجزوا عن:
1 - الإتيان بمثله. يقول الله في كتابه الكريم: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا) (1).
2 - الإتيان بسورة من مثله. يقول تعالى: (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله، وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين) (2).
وهذا تحد صريح يثبت صدق النبي (صلى الله عليه وآله) في ادعائه النبوة، الأمر الذي يثبت وجود الله وهيمنته على الوجود.
3 - العجز عن تحريف القرآن. ولو بإبدال حرف واحد بحرف آخر، وهذا من إعجاز القرآن الواضح في بقائه - منذ نزوله إلى هذا اليوم عبر القرون - على ألفاظه، ولا غرو فقد تكفله الله بالحفظ (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) (3). وهذا دليل قاطع يؤكد صدوره من عند الله تعالى إلى نبيه (صلى الله عليه وآله).

____________
(1) الإسراء: 88.
(2) البقرة: 23.
(3) الحجر: 9. الصفحة 21 إن الباحث وهو يقف على هذه الثوابت لا يخشى خلوا عن الاعتقاد الذي يضمن له البقاء على عقيدة الإسلام، وإن كان ربما اكتنفه النقص من حيث آخر، لأن الإيمان بالله وبرسوله وكتابه ومفارقته فيما أمر الناس به خلل صريح في عقيدة المخالف عن عمد بعد العلم به، ونقص في عقيدة المخالف بلا عمد لجهله بالأمر. وهو لا يعذر لجهله هذا، فما عليه إلا البحث والتحقيق لإزالة الجهل أو الظن أو الوهم لإكمال هذا النقص الواضح، . وهذا هو المطلوب التحقيق فيه، ذلك لأنه لو كان الإيمان بالله وبرسوله وكتابه كافيا لنجاة الناس لما كانت الفرقة الناجية واحدة. ولما اختلف الناس فصاروا مذاهب وفرقا تسعى كل واحدة منها لإبطال اعتقاد الأخرى.
فالإيمان بالله وبرسوله وكتابه هي السمة المشتركة بين كل الفرق المختلفة والمتخالفة، ولا نجد فرقة تدعي الانتساب إلى الإسلام تؤمن بالله وتكفر برسوله أو تطعن في كتابه الكريم، ورغم ذلك فالناجية واحدة. فما هي إذا تلك السمة التي انفردت بها هذه الفرقة عن سائر الفرق ونالت بها الفوز والنجاة؟ وبالتأكيد أن هذه السمة لا تتوفر إلا في هذه الفرقة دون غيرها، وإلا لما كان اختلاف، ولكانت كل الفرق في الواقع فرقة واحدة، فما هذه الصفة يا ترى؟! وهذا هو أساس البحث والتحقيق الذي نحن بصدده..
إذا لا بد من التعرف على هذه الفرقة بهذه الصفة التي تميزت بها عن سائر الفرق.
يقول الإمام الرازي: (إن النهي عن الاختلاف والأمر بالاتفاق يدل على أن الحق لا يكون إلا واحدا. وإذا كان كذلك كان الناجي واحدا [ أي الناجي فرقة واحدة من بين الفرق المتخالفة ] (1).

____________

(1) التفسير الكبير للإمام الرازي 8: 174 - آل عمران 103 قوله تعالى: (واعتصموا...). الصفحة 22 الأسباب الموجبة للتحقيق في أمر العقيدة
لا شك أن ما ندين من عقائد يحتوي على قدر جيد من الحقيقة، بل بالنظر إلى وجود القرآن بيننا يجعلنا نستطيع أن نجزم بأن ما بين أيدينا هو كل الحقيقة، ولكن وجود الحقيقة بيننا شئ والعمل على أساس هذه الحقيقة شئ آخر، فالنبي (صلى الله عليه وآله) لم يأمر باتباع القرآن أو العمل به فحسب بل قرن به ما قرن، وهذا المقرون بالقرآن ليس فيه حقيقة تنفصل عن القرآن وتخالفه، بل يبين ما اشتمل عليه القرآن من الحق. إذا فالمقرون بالقرآن هذا لا نستطيع أن نقف من دونه على ما جاء به القرآن من الحق. وهذا هو السبب الذي لا نستطيع معه أن نقطع بأن ما ندين به يشتمل بلا ريب على اليقين دون الظن، وكثير من الأسباب أدت إلى عدم القطع هذا فكان دافعا للتحقيق والبحث، ومن هذه الأسباب:

أولا: الفتن والاختلافات الحادة
وهي الفتن والاختلافات عصفت بالمجتمعات والأفراد المسلمين، منذ نعومة أظافر الإسلام. وقد بدأت هذه الاختلافات والنبي (صلى الله عليه وآله) لما يرتحل من بين الناس آنذاك، فلقد اختلفوا في أهم مسألة ترتبط بمصير المسلمين وهم جلوس في حضور نبيهم (صلى الله عليه وآله)، وهو الاختلاف الذي عرف فيما بعد ب‍ " رزية يوم الخميس ". ولا تخلو من حكايته كتب السير والأحاديث. ولا شك أن هذا الاختلاف قد ألقى بظلاله على زماننا، وأحيطت الحقيقة الصفحة 23 على أثره بقدر من الإبهام أدى إلى صعوبة التعرف عليها بعينها، ولا سيما بعد افتراض عدالة كافة الصحابة الذين كانوا أول من اختلف في أمور الدين، فقد أسدلت هذه العدالة الشاملة ستارا معتما على كثير من الأمور، ومنعت التطرق إلى البحث والتحقيق فيما وقع بين الصحابة من اختلاف بهدف إدراك الحقيقة، فتهيب الناس السؤال عما حدث لمعرفة الحق من الباطل. وبسبب هذه العدالة استوى عند المسلمين في هذا العصر الخطأ والصواب! لأن المتخالفين من الصحابة كلهم مأجورون ومثابون! فانتشر الإسلام على هذا، يدين الناس بأمور كثيرة مختلف عليها فيه.

ثانيا: تعدد الفرق الإسلامية
ذلك أن اختلافا كهذا حدث بين الرعيل الأول - ولا سيما بعد الركون إلى عدالتهم كافة - قد أدى إلى بروز فرق لا تحصى ولا تعد في المجتمع الإسلامي. والعجيب أن أعضاء هذه الفرق - وهم لا يجوزون بحث الخلاف بين الصحابة - تراهم يبحثون حول ما حدث بينهم من اختلاف، وقد غفلوا عن أن اختلافهم هذا كثير منه معلول الاختلافات الأول، فإثبات الحق لفرقة وسلبه عن فرقة أخرى، هو في الواقع نسبة ذلك الحق إلى رأي من آراء بعض الصحابة في المسألة المختلف فيها، وسلبه عن الفرقة الأخرى هو سلب هذا الحق عن البعض الآخر منهم في نفس مسألة الاختلاف، وقد طعنوا بذلك في عدالة كافة الصحابة من مكان بعيد.

ثالثا: بعد المسافة الزمنية بين زماننا وزمان النبي (صلى الله عليه وآله)
وهذا من الأسباب القوية التي تؤدي بلا شك إلى بعث غريزة التحقيق والبحث في أمور الدين، لأن ما صدر من النبي (صلى الله عليه وآله) لا بد له أن يطوي كل تلك المسافة متنقلا بين أنواع أفراد البشر والمجموعات المتخالفة التي لا تعتمد إلا ما وافق الرأي منها ولا تحتفظ إلا بما تراه صوابا.
وهي في تحديدها الصواب من الخطأ تتنازعها أمور وتتناوشها أشياء، فالنسيان الصفحة 24 والخطأ والهوى والتقليد والعصبية والقبلية والحقد... كل ذلك سيضع آثاره على ما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) من كلام، وجب علينا التعبد به ونحن في هذا العصر البعيد عن زمن الرسالة.
فالذين ينقون ما يمر عبرهم من أقوال وأفعال صدرت عن النبي (صلى الله عليه وآله).. على أي معيار يعتمدون في هذه التنقية؟ ومن يجرح غيره ويتهمه بالنسيان وكثرة الخطأ يجرحه بأمور هو نفسه عرضة لها وإن كان ثقة عادلا، هذا فضلا عن الذين شمروا عن سواعدهم لوضع ما لم يكن عن النبي (صلى الله عليه وآله) صدوره ونسبته إليه بعد ذلك، وهم أكثر وأشد نشاطا وفعالية.
وعملهم أسهل وأهون من عمل الإصلاح.

رابعا: حصار أهل البيت وتكميم أفواههم
لقد كان الخليفة الأول وكذلك الخليفة الثاني يرجعان في كثير من الأمور إلى أهل البيت، فأبو حفص كان مفزعه في أمور الدين الإمام علي، ولهذا صدر منه مرارا قوله: " لولا علي لهلك عمر "، وقوله: " الله أعوذ بك من معضلة ليس لها أبو الحسن "، وهكذا كان دأبهما.
وأعلمية أهل البيت - وعلى رأسهم الإمام علي (عليه السلام) - من الحقائق التي لا مراء فيها ولا جدال، وقد اعترف بذلك أبو بكر الصديق وخليفته أبو حفص. واستمر الحال إلى زمان عثمان حيث استولى بنو أمية على مقاليد الأمور في الدولة الإسلامية، وتصرفوا في كل شئ حتى هيمنوا على السلطة تماما، فتغير الحال وحورب أهل البيت، وحوصرت أقوالهم، وسلب حقهم في المرجعية الدينية فضلا عن الخلافة. واستمر الحال هكذا إلى آخر يوم في الدولة العباسية، فنشأ الناس على ترك أهل البيت. ثم إن الحصار في دولة بني أمية لم يقف على إبعاد أهل البيت النبوي عن المرجعية فحسب، بل تعدى إلى ابرازهم بنحو يؤدي إلى نفور الناس منهم، ولهذا الغرض استنوا سب الإمام علي (عليه السلام) أكثر من خمسين عاما.
وضرب الحصار على من يرجع إليهم في أمور دينه، وقتل من لم يطلق لسانه فيهم بالسباب والشتم، وهيئت الفرص لمن يسبهم ويجافيهم. وأمر معاوية الناس في بقاع الصفحة 25 الدولة بإبراز محاسن غيرهم في مقابل ما أبرزه النبي (صلى الله عليه وآله) من محاسن لهم، ثم قتلوا بعد ذلك شر تقتيل، فليس منهم إلا مسموم أو مقتول.
كتب معاوية نسخة واحدة إلى عماله بعد عام الجماعة أن برئت الذمة ممن روى شيئا من فضل أبي تراب وأهل بيته! فقامت الخطباء في كل كورة وعلى كل منبر يلعنون عليا ويبرؤون منه ويقعون فيه وفي أهل بيته. وكان أشد الناس بلاء حينئذ أهل الكوفة، لكثرة من بها من شيعة علي عليه السلام (1).
والسؤال الذي يطرح ببراءة: لماذا حارب الأمويون طيلة حكمهم هذا علماء أهل البيت؟ ولأي شئ قتلوهم؟ ولماذا نسج على منوالهم العباسيون؟
وقد يجيب أحد بأنهم نافسوهم في الحكم والسلطة.. ولكن، هل كان أهل البيت يعارضون حكم الأمويين لو كان قائما على ما جاء به الوحي وقضى به النبي (صلى الله عليه وآله)؟! وهل كان من الوحي سب الإمام علي أو قتل الإمام الحسين بالصورة الوحشية التي عرفها التاريخ؟! أو كان من الوحي إطعامهم السم الزعاف؟! وهل كان أبناء الرسول يحبون السلطة من أجل السلطة والحكم؟ وما ذا تضرر العباسيون من عترة النبي (صلى الله عليه وآله) حتى انتهجوا معهم ما انتهجه الأمويون؟!
إن أهل البيت بعد الضربات الأموية لم تبق لهم تلك الخطورة السياسية التي تعتمد على قوة الجيش والسلاح، فقد انفض الناس من حولهم إما خوفا من القتل والسبي، وإما انجذابا نحو الأصفر والأبيض من أموال السلطة. وصار أهل البيت تحت المراقبة الأموية في منازلهم وبين أهليهم، أو في المحابس وفي سجون الحكومة العباسية، وهذا يكفي الحكام لتوطيد حكمهم. إذا.. لماذا القتل؟! وهل كان لأهل البيت خطر غير الجيوش والسلاح لا يزول إلا بقتلهم؟! وما ذاك الخطر؟ وهل كان السبيل إلى الصلح والتوافق معهم قد أغلق تماما؟!
لقد كانت المسألة بين الحكام من الأمويين والعباسيين، وبين أهل البيت مسألة الدين والشرع، فالحكام في نظر أهل البيت قد خالفوا الشرع والنهج المحمدي، وأهل
____________
(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 11: 44، الباب 23. الصفحة 26 البيت في نظر الحكام خطر ديني أساسي لا يحتاج إلى جيش وسلاح.
وهذا الإمام الحسين يصور حقيقة النزاع بين الحكام وأهل البيت، يقول الطبري: " وقام الحسين في كربلاء مخاطبا أصحابه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إن رسول الله (ص) قال: من رأى سلطانا جائرا مستحلا لحرم الله، ناكثا لعهد الله، مخالفا لسنة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان فلم يغير عليه بفعل ولا قول، كان حقا على الله أن يدخله مدخله. ألا وإن هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد، وعطلوا الحدود، واستأثروا بالفئ، وأحلوا حرام الله وحرموا حلاله، وأنا أحق من غيري " (1).
فإذا كان النبي (صلى الله عليه وآله) قد ربى أبناء الناس على الدين خير تربية، أتراه تاركا أبناءه فإنه على غير تربية الدين؟! لا، بل لهم الأولوية في التربية والنشأة على الوحي، وإلا فإنه يكون كالآمر بالبر والناسي لنفسه.
ولما كان هدف أهل البيت إقامة الدين وإجراء الشرع الذي تربوا عليه وهم أولى بذلك، كان الحكام في زمانهم يهدفون إلى السلطة فحسب، لأن الذي لا يهدف إلى شئ إلا أن يرى الدنيا قائما، لا يضيره شئ إن قام الدين بغيره من الناس على الوجه المطلوب.
وهكذا حوصر أهل بيت النبوة من كل صوب، ومنعوا من الكلام في أي أمر في مجال الدين سياسيا وعباديا. فإن كان هذا حال أهل البيت فمن من أتباعهم تكون له جرأة الكلام والتفوه بما يرضي العترة النبوية؟! فلو استهان أمر أهل البيت عند الحكام فلأمر أتباعهم أشد هوانا. ومع ذلك ظهر على سطح الساحة الدينية علماء صار حق الفتيا لهم، وارتضاهم الحكام، وقصدوا إلى فرض ما أفتوا به على الناس ونشره بينهم، فقربوهم إليهم وأجزلوا لهم العطاء. فلم كان ما أفتى به هؤلاء يرضي سريرة أهل البيت ويوافق ما هو عليه من أمر، فلماذا لم يترك الحكام أهل البيت لأن يفتوا أو يقولوا بهذا ما دام لا يضيرهم منه شئ؟! أم أن هؤلاء كانوا أعلم من أهل البيت بأمور الدين والوحي؟! ولكن أهل
____________
(1) تاريخ الطبري 4: 304 - حوادث سنة إحدى وستين. الصفحة 27 البيت لم يكونوا ليقبلوا بالصمت أمام الظلم وجور الحكام، كما سمعت من كلام الإمام الحسين. وأما من قرب من العلماء وارتضى من قبل الحكام فلم يكونوا يرون ما كان يراه الإمام الحسين وأهل البيت كافة، ولذا أفتى هؤلاء العلماء بما زعموا أنه من رسول الله (صلى الله عليه وآله): " من خرج عن الطاعة وفارق الجماعة مات ميتة جاهلية "! وبعد هذا كيف لا يقبل الحكام هذه الفتاوى وأصحابها من العلماء؟! وكيف بعد هذا يسمع لأهل البيت فتوى في الدين؟!
ولهذا أبعد أهل البيت، وقرب من خالفهم من العلماء والناس. واستمر الحال هكذا وطارت فتواهم كل مطير وانتشرت في البلاد وسار الناس على مذاهبهم، ولم يلتفت أحد إلى بيت النبوة ومهبط الوحي، فأخذ الناس الدين عن غيرهم. وها نحن نرى الخلاف بين أتباع المذهب الجعفري (1) من شيعة أهل البيت وبين المذاهب السنية.
أفلا يدعو هذا إلى البحث والتحقيق؟!

____________

(1) نسبة إلى الإمام جعفر الصادق (عليه السلام). الصفحة 28 اختلاف المسلمين حول ولي الأمر بعد النبي (صلى الله عليه وآله)
ثم إن من المسائل التي تفرض علينا التحقيق البحث حولها باعتبارها من أهم مسائل الدين، هي معرفة ولي الأمر.
الاعتقاد السائد بين كافة المسلمين أن النبي (صلى الله عليه وآله) هو خاتم الأنبياء والرسل، أي هو نبي لا نبي من بعده، وأي اعتقاد بخلاف ذلك يستوجب الكفر بلا شك. وفرض عدم خاتمية الرسالة يفرض نبيا آخر يأتي بعد محمد (صلى الله عليه وآله) لهداية الناس بعد انقضاء فترة الإسلام، ولما لم يكن كذلك.. فهم الإسلام على ضوء ختم الرسالة بأنه دين كل زمان ومكان، وهذا منطق بلا شك يتفق وختم الرسالة، وعلى هذا تصافق وتوحد اعتقاد المسلمين باعتباره أمرا قرآنيا مسلما (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين) (1)، وعلى هذا فإننا نستخلص من هذا الاعتقاد المسائل التالية:
1 - ليس هناك نبي يأتي بعد محمد (صلى الله عليه وآله)، فهو خاتم وآخر الأنبياء والرسل.
2 - إن الإسلام خاتم الأديان، وهو قد جاء إذا لكافة الناس إلى يوم القيامة.
3 - ولكي يفي الإسلام بهذه العمومية لكل البشر، وحتى يفي بمتطلبات عموم الناس على اختلافهم وتنوعهم زمانا ومكانا، لا بد أن يكون على درجة من القوة والكمال حتى ينهض بالناس دينيا واجتماعيا وسياسيا وخلقيا واقتصاديا، ولهذا يقول تعالى: (اليوم
____________
(1) الأحزاب: 40. الصفحة 29 أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) (1) والله لا يرضى بما هو ناقص غير مكتمل، كما هو واضح.
بكل هذه الخصائص لا بد لهذا الدين أن يشق طريقه نحو المجتمعات، ماضيها وحاضرها والناشئة مستقبلا، لإرشاد الناس إلى سبيل المؤمنين، وإبطال كل فكر واعتقاد يباعد بينهم وهذه السبيل. فهذه مهمة لا تنجز منحصرة في عصر واحد، بل تقتضي الحضور الدائم في كل عصر، فكما كان النبي (صلى الله عليه وآله) هو المتصدي لهذه المهمة يكون ولي الأمر من بعده هو المتكفل بذلك، وهكذا أولو الأمر إلى آخرهم.
وأهمية ولي الأمر تنحصر في أمور:
أولا: فهو من ناحية أنه رئيس وقائد ومدير لشؤون الدولة الإسلامية، فله الأهمية السياسية بكل جوانبها.
ثانيا: ومن ناحية أنه المرجع الديني للمسلمين في نواحي الدولة الإسلامية كافة، فله الأهمية الدينية التي لا تنفصل عن حياة الناس.
ثالثا: ومن ناحية أنه واجب الطاعة فهو يمثل مسألة من أهم مسائل أصول الدين، إذ أن طاعته أمر إلهي تعبدي لا بد من أدائه، وذلك لقوله تعالى: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) (2)، فهذا أمر مطلق قطعي، وواجب يلزم أداؤه لولي الأمر.
إذا، فالأمر الصادر من الله تعالى بإطاعة أولي الأمر يحتم علينا التعرف على ولي الأمر هذا، لأداء واجب الطاعة له، تنفيذا لأمر الله تعالى. والطاعة هذه تكون لولي الأمر في كل ما يقول ويأمر به وينهى عنه، فمخالفته في شئ بعد تعيينه معصية صريحة، ومخالفته في أمر بسبب الجهل به ليس فيه عذر، لأن تصريح القرآن بالأمر بطاعته هو إشارة إلى وجوده وتعيينه، وإلا يكون تكليفا فوق الطاقة.
فمن هو ولي الأمر من بعد النبي (صلى الله عليه وآله)؟
لقد اختلف المسلمون في ذلك، وانحصر الاختلاف بينهم في ولي الأمر بين أبي
____________
(1) المائدة: 3.
(2) النساء: 59. الصفحة 30 بكر بن أبي قحافة وعلي بن أبي طالب (عليه السلام). وذلك لاستلام أبي بكر زمام الخلافة بعد النبي (صلى الله عليه وآله)، ولادعاء الإمام علي أحقيته في ذلك، وقد قال (عليه السلام) في ذلك: " ولقد تقمصها ابن أبي قحافة وهو يعلم أن محلي منها كمحل القطب من الرحى، ينحدر عني السيل ولا يرقى إلي الطير " (1). وهو يعني بذلك الخلافة وأحقيته فيها. فمن هو الخليفة وولي الأمر؟ ولا بد أن يكون واحدا، إذ لا يصح أن يكون وليان للأمر في زمان واحد لدولة واحدة. ولما كانت طاعته واجبة فهو إما أن يكون أبا بكر أو علي بن أبي طلب (عليه السلام).
ونحن مسؤولون عن معرفة الولي المطاع، طبقا للآية الكريمة، ومن هنا تظهر أهمية التحقيق والبحث بل وجوبه حول هذه المسألة المصيرية.

____________

(1) نهج البلاغة: من الخطبة رقم 3 (الشقشقية). الصفحة 31 الفصل الأول: عدالة الصحابة
مقدمة في عدالة الصحابة.
تعريف الصحابي.
تعريف العدالة.

الباب الأول: حديث الاقتداء بالصحابة شرب الخمر.
الفرار من الزحف وشماتة البعض.
كتمان الشهادة! شهادة الزور.
سب الإمام علي (عليه السلام).
اختفاء المنافقين بين الصحابة.

الباب الثاني: حديث عليكم بسنتي وسنة الخلفاء.
إشكالات على الحديث.
إختلاف علي وعثمان.
إخبار النبي (صلى الله عليه وآله) لأبي بكر بالإحداث.
محدثات أبي حفص.
مخالفة الصحابة للخلفاء الأربعة.
مخالفة سعد بن عبادة لأبي بكر وعمر.
خلاف بعض الصحابة للخليفة الرابع.
مخالفة عائشة لعثمان وعلي.

الصفحة 32 الصفحة 33 عدالة الصحابة

مقدمة في عدالة الصحابة
إن مسألة عدالة الصحابة لهي من المسائل التي وضعت بصماتها بصورة جلية في حياة المسلمين الاعتقادية والعبادية، ذلك لأن قول الصحابي وفعله أضحى من الأمور التي أولاها الفقهاء وعلماء الحديث والأصول أهمية أدرجتها في مصاف مصادر التشريع الإسلامي، وصارت من المقدسات الدينية عند المسلمين. فكثير من المسائل الفقهية ترجع إلى قول الصحابي وفعله وما سنه من سنن، حتى وإن كانت هذه السنن تخالف تماما السنة النبوية أو صريح القرآن، كغسل الرجل عند الوضوء دون مسحها (1)، وسن صلاة التراويح في جماعة (2)، وقول: " الصلاة خير من النوم " (3) في آذان الفجر، وإلغاء زواج المتعة وتحريمه (4)، وسن الآذان الثاني في صلاة الجمعة (5). وغير ذلك كثير سن من قبل بعض الصحابة، دون أن يوافق ما كان عليه النبي (صلى الله عليه وآله). على أن من المسائل التي تدعو إلى التعجب وتبعث على الحيرة، إدراج كافة الصحابة في صحيفة العدالة دون مراعاة
____________
(1) تفسير الإمام الرازي 3: 370 - تفسير سورة المائدة.
(2) إرشاد الساري في شرح صحيح البخاري 5: 4.
(3) الموطأ، شرح الزرقاني 1: 25 - باب ما جاء في النداء للصلاة.
(4) شرح التجريد للقوشجي: مبحث الإمامة.
(5) تفسير القرطبي 18: 100 الكواكب الدراري 6: 127، إرشاد الساري 6: 210، عارضة الأحوذي 2: 305.

الصفحة 34 لمدة الصحبة ودرجتها، من حيث الملازمة للنبي (صلى الله عليه وآله) ومستوى أخذ الأحكام منه ودرجة الاهتمام بذلك.

وفي الواقع لم يكن الصحابة من هذه النواحي سواسية، فكان منهم الذي يكتب ويسجل الحديث، ومنهم من لم يكن يكتب، ومنهم من شغلته الصفقات في الأسواق فيفوته الكثير ثم ينقل إليه نقلا، ومنهم من له أوقات خاصة مع النبي (صلى الله عليه وآله)، وقد خص بالعلم دون الآخرين، فإن سأل يعطي وإن سكت عن السؤال يبتدر بالعلوم (1). ومنهم من يسمع الحديث فلا يعيه، ومنهم من يحفظ ما يقال، ومنهم من ينساه.
فالصحابة بشر بلا شك، فلا يمكن أن يكونوا في ذلك على وفق واحد. على أن الصحابة من حيث الإيمان لم يكونوا على قرار واحد، ولا في الإخلاص على وتيرة.
فهذا هو التاريخ والواقع يبين هذه الحقيقة، فلماذا الغلو في الصحابة؟! لا شك أن وصفهم كافة بالصحبة التي تستوجب العلم والعدالة إسراف مبغوض وتكلف لا يطاق، إذ لا دليل ينهض بذلك ولا حجة تقوم له. ومهما يكن صاحب هذا الرأي ومهما ينسب إليه من الأوصاف والنياشين العلمية فهو مخطئ وعاثر في رأيه هذا، إذ أن الخطأ والغلط والنسيان سواءا كان عمدا أو سهوا فهو من لوازمه، فلا يؤخذ بقول كل من يقول ولا بكل ما يقول.
إن مسألة عدالة كافة الصحابة بقضهم وقضيضهم من المسائل التي عفى عليها الدهر، وتجاوزها العلم والمنطق. ونحن بقدر ما نرى في ذكرها حلا لمعضلة البعض من الشباب المتعطشين للحقيقة، نرى البحث فيها مضيعة لوقت أولئك الذين وقفوا عليها.
وقبل الخوض في الموضوع تفصيلا، علينا أن نرى أولا ما يقوله القوم في تعريف الصحابي، والمعيار الذي اعتمدوه في تحديد عدالة الجميع.

تعريف الصحابي
يقول ابن حجر في تعريف الصحابي: " الصحابي من رأى النبي (صلى الله عليه وآله) مؤمنا به ومات
____________
(1) نهج البلاغة طبعة صبحي الصالح ص 300 - الخطبة 192. الصفحة 35 على الإسلام، فيدخل في من لقيه من طالت مجالسته له أو قصرت، ومن روى عنه ومن لم يرو، ومن غزا معه ومن لم يغز، ومن رآه رؤية ومن لم يجالسه ومن لم يره لعارض العمى " (1). " وأنه لم يبق بمكة ولا الطائف أحد في سنة عشر إلا أسلم وشهد مع النبي (صلى الله عليه وآله) حجة الوداع، وأنه لم يبق من الأوس والخزرج أحد في آخر عهد النبي (صلى الله عليه وآله) إلا دخل في الإسلام، وما مات النبي (ص) وواحد منهم يظهر الكفر " (2).
هكذا عرف ابن حجر الصحابي، وكما وضح فإن رؤية النبي (صلى الله عليه وآله) هي المعيار الذي ينال الفرد به لقب الصحبة عنده، حتى وإن لم يجالس النبي (صلى الله عليه وآله) لحظة عمره.
ثم إنه لما جاءت سنة عشر لم يبق أحد في مكة والطائف إلا أسلم، وبالطبع على يد النبي (صلى الله عليه وآله)، فيكون بالتالي لم يبق أحد منهم إلا وقد انضوى في سلك الصحابة، لإسلامه ومشاهدته النبي (صلى الله عليه وآله). ثم إنه لما كانت حجة الوداع التي حضرها مع النبي (صلى الله عليه وآله) ما يربو على مائة ألف شخص كان هؤلاء كلهم - على قول ابن حجر - من الصحابة، لأنه يستبعد أن يكون هناك من لم يره. ثم إنه لما مات النبي (صلى الله عليه وآله) لم يظهر من أحدهم الكفر، فيكون النبي (صلى الله عليه وآله) قد ارتحل وترك الناس كلهم صحابة، لمشاهدتهم إياه، وإسلامهم على يديه، وعدم ظهور الكفر من أحدهم، وهكذا يكون النبي (صلى الله عليه وآله) قد ترك الناس كلهم صحابة عدولا، لإسلامهم على يديه، ولعدم ظهور الكفر من أحدهم حتى رحيل النبي (صلى الله عليه وآله). فهذه هي الصحبة بحدودها التي عرفت بها.

تعريف العدالة
وأما العدالة التي وصف بها كل الصحابة، لصحبتهم النبي (صلى الله عليه وآله) وجعلتهم من مصادر التشريع الإسلامي التي لا يجوز ردها، فيقول فيها إمام الجرح والتعديل أبو حاتم الرازي : " أما أصحاب رسول الله (ص)، فهم الذين شهدوا الوحي والتنزيل، وعرفوا التفسير والتأويل، وهم الذين اختارهم الله عز وجل لصحبة نبيه (ص) ونصرته وإقامة دينه
____________
(1) الإصابة 1: 7، الفصل الأول.
(2) الإصابة 1: 8، الفصل الأول. الصفحة 36 وإظهار حقه، فرضيهم له صحابة وجعلهم لنا أعلاما وقدوة، فحفظوا عنه (ص) ما بلغهم عن الله عز وجل وما سن وشرع وحكم وقضى وندب وأمر ونهى، وحظر وأدب، ووعوه وأتقنوه، ففقهوا في الدين، وعلموا أمر الله ونهيه ومراده بمعاينة رسول الله (ص) ومشاهدتهم منه تفسير الكتاب وتأويله وتلقفهم منه واستنباطهم عنه، فشرفهم الله بما من عليهم وأكرمهم به من وضعه إياهم موضع القدوة، فنفى عنهم الشك والكذب والغلط والريبة والفخر واللمز، وسماهم عدول الأمة " (1).
بيد أن الغزالي يرد جميع المذاهب التي رأت القول بعصمة الصحابة وحجية قولها، فيقول: " قد ذهب قوم إلى أن مذهب الصحابي حجة مطلقا، وقوم إلى أنه حجة إن خالف القياس، وقوم إلى أن الحجة في قول أبي بكر وعمر خاصة لقوله: اقتدوا بالذين من بعدي، وقوم إلى أن الحجة في قول الخلفاء الراشدين إذا اتفقوا. والكل باطل عندنا " (2)، فيكون الإمام الغزالي بهذا قد رمى بعصمة الصحابة وحجية أقوالهم في مزبلة الباطل.
على أن انشعاب القوم في مسألة حجية قول الصحابة وذهابهم تلك المذاهب يدل بوضوح على أن عدالة الصحابة بأجمعهم أمر فيه اضطراب أدى إلى هذا التقسيم، إذ ليس من بينها مذهب يمكن الاعتماد عليه، لأن واقع الصحابة من حيث الوقوع في الخطأ والاختلاف يبطل تلك المذاهب والنصوص التي اعتمدوا عليها من السنة في حجية الصحابة كافة.
إن الذين ذهبوا إلى أن مذهب الصحابي حجة مطلقا لا شك أنهم واقعون في التناقض الذي يوجب تأييد رأي ضد رأي أو رد كلا الرأيين. وهذا التضارب إما من حيث اختلاف الصحابة فيما بينهم، أو من حيث اختلاف أقوال الصحابي نفسه، أو من حيث مخالفة أقوالهم أحيانا للقرآن والسنة.
أما قول البعض بأنه حجة إذا خالف القياس فمفهومه أنه ليس حجة إذا خالف القرآن والسنة، لأنهما مقدمان على القياس بلا خلاف.

____________
(1) تقدمة المعرفة لكتاب الجرح والتعديل لأبي حاتم الرازي المتوفى سنة 327 هـ‍، ص 7 " الصحابة ".
(2) المستصفى في علم الأصول للإمام الغزالي 1: 260. الصفحة 37 أما قول البعض بأن الحجة في قول أبي بكر وعمر خاصة، فهم مطالبون بتوضيح ما صدر منهما من أفعال خالفت القرآن والسنة النبوية. ثم إنه كيف يكون الحال إذا خالف قول الصحابي قياس صحابي آخر، وأي القولين عندئذ أولى بالترجيح؟
وأما حجية أقوال الخلفاء الراشدين إذا اتفقوا، فهذا شرط يفهم منه عدم حجية رأي أحدهم منفردا أو إذا خالفه الآخرون منهم. وتأييد رأي أحدهم ضد رأي الآخر يقتضي نسبة الخطأ للآخر، إذ لا يمكن أن يصح الرأيان مع الاختلاف بينهما، فأين انتفاء الخطأ عن كل الصحابة؟!
أما الأحاديث التي اعتمدوا عليها في منح العدالة لكافة الصحابة، فمنها حديث الاقتداء الذي نصه: " أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ". ومنها حديث الخلفاء الراشدين الذي نصه: " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي ".
ومنها حديث الاقتداء بالذين... ونصه: " اقتدوا بالذين من بعدي أبو بكر وعمر ".
وسنبحث هذه الأحاديث ونورد أمثلة تبين خطأ المعتمدين عليها في فرض حجية كافة الصحابة أو الأربعة منهم أو أبي بكر وعمر. وسنحصر البحث في مطابقة متون هذه الأحاديث لواقع الصحابة، وهذا وحده كفيل ببيان حقيقة وضع هذه الأحاديث، وخطأ نسبتها إلى النبي (صلى الله عليه وآله). على أن هذه الأحاديث من حيث السند ساقطة أيضا، وهذا ثابت في مظانه.
ومن هذا يتضح أن معنى العدالة التي صارت سمة عامة لكافة الصحابة هي العصمة تماما، فمن ناحية قوله: " فحفظوا عنه (ص) ما بلغهم عن الله عز وجل
[table id="post23240" class="tborder" align="center" border="0" cellpadding="3" cellspacing="1" width="100%"][tr][td class="thead" height="undefined" width="undefined"]  #2  
05-07-08, 02:20 AM [/td]

الموضوع الأصلي : دعوة إلى سبيل المؤمنين
المصدر : القانون الحديث المفقود في الطب
الكاتب: ام خالد

...............................................................................................
ربنا اغفرلي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب
 ام خالد
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

ام خالد

السادة الأعضاء
avatar






انثى

المساهمات : 993

تاريخ التسجيل : 08/09/2012

العمل. العمل. : الطب


2:مُساهمةموضوع: رد: دعوة إلى سبيل المؤمنين    الجمعة 1 نوفمبر 2013 - 6:28

حديث (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء...)

--------------------------------------------------------------------------------

الباب الثاني
حديث (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء...)
لقد ورد هذا الحديث في كل من صحيح الترمذي، وأبي داود، وابن ماجة، ومسند أحمد، ومستدرك الحاكم. وهو من أخبار الآحاد، إذ أن العرباض بن سارية هو الصحابي الوحيد الذي روى هذا الحديث عن النبي (صلى الله عليه وآله)، إن صح ذلك. على أنه لم يكلف البخاري ولا مسلم نفسيهما تعب تخريج هذا الحديث في صحيحيهما، رغم الأهمية التي حصل عليها الحديث بين أتباع الخلفاء الأربعة.
روى الترمذي: " حدثنا علي بن حجر، حدثنا بقية بن الوليد، عن بحير بن سعيد، عن خالد بن معدان، عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي، عن العرباض بن سارية، قال:
وعظنا رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم يوما بعد صلاة الغداة موعظة بليغة، ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال رجل: إن هذه موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا يا رسول الله؟ قال: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن عبد حبشي، فإنه من يعش منكم يرى اختلافا كثيرا، وإياكم ومحدثات الأمور فإنها ضلالة، فمن أدرك ذلك منكم فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ " (1).
هذا حديث آخر من الأحاديث التي اعتمد عليها أتباع الخلفاء الأربعة في إثبات
____________
(1) صحيح الترمذي 5: 44 - 45 باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع. الصفحة 55 اتباعهم والعمل بسنتهم، ولهذا اعتبروا الحديث إشارة ودليلا على الفرقة الناجية من الفرق المتخالفة، واعتبروه السبيل التي تؤدي إلى نجاة سالكها من الوقوع في الفتن والاختلاف ومحدثات الأمور التي لا تؤدي إلا إلى الضلال، وأن كل من خالف هذه السنة - أي سنة الخلفاء - أو ردها فهو منحرف عن الجادة عندهم. وسنبين إن شاء الله إشكالات الحديث ومطابقته بواقع الخلفاء الأربعة من حيث إنه سبيل للنجاة من الاختلاف ومحدثات الأمور. على أن هذا يغنينا عن نقل ما ذكر في بطلان سنده.

إشكالات على الحديث
إن في الحديث أمرا باتباع سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسنة الخلفاء.
ونحن نوضح هذا الأمر في نقطتين:
الأولى: أن يكون اتباع سنتهم منفصلا ومغايرا لاتباع سنة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) كما هو ظاهر من الحديث، إذ أن العطف يفيد التغاير والاختلاف بلا شك، ففي هذه الحال إما أن تنسب إليهم العصمة، لأن من تساوى أمر اتباعه بأمر اتباع النبي (صلى الله عليه وآله) مع اختلاف سنتهما، يجب أن يكون كالنبي (صلى الله عليه وآله) معصوما، فالسنة وحي بلا ريب والوحي معصوم، والأمر باتباع سنة النبي (صلى الله عليه وسلم) هو نفس الأمر باتباع سنة الخلفاء، إذا تجب عصمتهم. وعند عدمها يكون الأمر باتباع سنتهم التي يمكن أن يعتريها الخطأ أمرا باتباع الخطأ، وهذا لا يصح.
ولكن لا تثبت عصمتهم ولا يؤيدها الحال. إذا سيبطل القول المفروض بأن النبي (صلى الله عليه وآله) قد أمر باتباعهم مع مغايرة سنتهم لسنته، وذلك لعدم عصمتهم.
وإما أن لا تنسب إليهم العصمة، فيكون النبي (صلى الله عليه وآله) قد أمر باتباعهم في سنتهم المغايرة لسنته (صلى الله عليه وآله)، رغم عدم عصمتهم ورغم حتمية وقوعهم في الخطأ والشك والريب. ولكن لا يجوز صدور أمر من النبي (صلى الله عليه وآله) باتباعهم على النحو الذي جاء في الحديث على سبيل الجزم والقطع، وهم على هذا الحال من انتفاء العصمة، لأنه أمر بوجوب اتباع غير المعصوم.
إذا يبطل القول المفروض بأن النبي (صلى الله عليه وآله) قد أمر باتباعهم في سنتهم المخالفة لسنته، رغم عدم عصمتهم ورغم حتمية وقوعهم في الخطأ والاختلاف.

الثانية: أن يكون اتباع سنتهم هو اتباع لسنة النبي (صلى الله عليه وآله)، بل دون أن تكون لهم سنة غير سنته (صلى الله عليه وآله)، بل هم تابعون له.
وفي هذا الحال تكون عبارة " وسنة الخلفاء " زائدة لا معنى لها، ويكون بالتالي قد أمر الرسول (صلى الله عليه وآله) باتباع سنته وحدها، دون ذكر اتباع القرآن. وليس هذا معهودا من النبي (صلى الله عليه وآله) إذ أنه كان دائما يقدم القرآن سواء على السنة أو العترة، فضلا عن خلو الحديث من الإشارة إليه خلوا تاما.
ثم إنه لو قيل إن ذكر اتباع الخلفاء لحرصهم على اتباع سنة النبي (صلى الله عليه وآله)، لا لأنهم ينفردون بسنة خاصة.
قلنا: فما هو السبب في تخصيص الاتباع بهم؟ هل كان سائر الصحابة مخالفين للنبي (صلى الله عليه وآله) في سنته أو بعضها؟ وأين حديث: " أصحابي كالنجوم... "؟ أليس هذا وحده كافيا لإبطال حديث الخلفاء؟
وفي الحقيقة أن هذا الحديث بهذه الدلالة التي فهمها منه أتباع الخلفاء الأربعة - باعتباره دليلا على اتباع سنتهم وحجية أقوالهم - لا يمكن أن يكون وسيلة للنجاة من الاختلاف كما أريد له، أو وسيلة لمعرفة الفرقة الناجية، وسلامة عند ظهور البدع والمحدثات. والباحث عن الفرقة الناجية في دلالة ومعاني هذا الحديث - طبقا لهذا التفسير - لا ينتهي ببحثه إلا إلى مفترق الطرق، ولا يزداد به إلا حيرة في الوصول إلى الفرقة الناجية هذه، وذلك للتناقض بين ما يفيده مفهوم الحديث كدليل يفهم منه الأمر باتباع الخلفاء الأربعة وبين المدلول عليه، وهو واقع حال الخلفاء الأربعة فيما بينهم.
فالحديث كان وعظا وعهدا ووصية من النبي (صلى الله عليه وآله) في آخر أيامه إلى أصحابه، حذرهم فيه مغبة الاختلاف ومحدثات الأمور، غير أننا سنرى أن الخلفاء أنفسهم لم ينجوا من هذا الاختلاف والوقوع في المحدثات، فخالف بعضهم بعضا، وكاد بعضهم أن يقتل بعضا. لقد اختلف الإمام علي مع أبي بكر وعمر في مسألة الخلافة، فادعى الإمام علي أن الخلافة حق له، وأن أبا بكر يعلم ذلك وأنه أخذ حقا ليس له، يقول الإمام علي:
الصفحة 57 " ولقد تقمصها ابن أبي قحافة، وهو يعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى ". ثم عمدا إلى أخذ البيعة منه بالقوة والتهديد بالقتل! فقد قال الإمام (عليه السلام) لأبي بكر وقومه: " إن لم أبايع فم؟ فقالوا له: والله الذي لا إله إلا هو نضرب عنقك ".
فنشب الاختلاف بينهم في مسألة من أهم مسائل الدين، وهي الخلافة من بعد النبي (صلى الله عليه وآله).
فإن كان النبي (صلى الله عليه وآله) قد أوصى لأحد، فلا ينبغي الاختلاف بينهم في الأمر، بيد أن الاختلاف بينهم قد وقع. وإن لم يكن قد أوصى لأحد، فلا يجوز بينهم الاختلاف أيضا، وهم الذين بهم سلامة الأمة من الفتن والاختلاف.
ولهذا فالحديث لا يصح. وهذه الحادثة لو لم تكن إلا هي فهي كافية في بيان بطلان هذا الحديث بهذا المعنى.
فعندما علم بنو هاشم بما حدث في السقيفة من أمر البيعة لأبي بكر اعتصموا، مع جمع من الأنصار والمهاجرين، في بيت علي (عليه السلام)، احتجاجا ورفضا لما حدث، فقال لهم عمر: " والذي نفسي بيده لتخرجن أو لأحرقنها على من فيها.
فقيل له: إن فيها فاطمة!
فقال: وإن ".
وجاء رسول أبي بكر إلى علي، فقال: يدعوك خليفة رسول الله.
فقال علي (عليه السلام): لسريع ما كذبتم على رسول الله.
فرجع إلى أبي بكر فأبلغه، فبكى أبو بكر طويلا، فقال عمر: لا تمهل هذا المتخلف عنك في البيعة!
فبعث رسوله إليه ثانية، فقال: خليفة رسول الله يدعوك لتبايع.
فقال علي (عليه السلام): سبحان الله! لقد ادعى ما ليس له.
فرجع الرسول وأبلغ الخليفة، فبكى أبو بكر طويلا، فقام عمر ومشى معه جماعة حتى أتوا باب فاطمة (عليها السلام)، فدقوا الباب، فلما سمعت أصواتهم نادت بأعلى صوتها: يا أبت يا رسول الله! ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن أبي قحافة!
الصفحة 58 فلما سمع القوم صوتها وبكاءها انصرفوا باكين، وكادت قلوبهم تنصدع وأكبادهم تنفطر، وبقي عمر فبقي معه قوم، فأخرجوا عليا ومضوا به إلى أبي بكر، فقال له بايع.
فقال (عليه السلام): أنا أحق بهذا الأمر منكم، لا أبايعكم وأنتم أولى بالبيعة لي.
فقيل له: لست متروكا حتى تبايع.
فقال: إن لم أفعل فم؟
قالوا: إذا والله الذي لا إله إلا هو نضرب عنقك!
فقال (عليه السلام): إذا تقتلون عبد الله وأخا رسول الله!
فقال عمر: أما عبد الله فنعم، وأما أخا رسول الله فلا! وأبو بكر ساكت.
فقال له عمر: ألا تأمر فيه بأمرك؟!
فقال أبو بكر: لا أكرهه على شئ ما كانت فاطمة إلى جنبه.
فلحق علي بقبر رسول الله يصيح وينادي: ابن أم، إن القوم استضعفوني وكادوا أن يقتلون " (1).

اختلاف علي (عليه السلام) وعثمان (رضي الله عنه)
إن ما يبين عمق الاختلاف بين الخلفاء أيضا ما وقع بين علي (عليه السلام) وعثمان بن عفان، كما يروي البخاري عن مروان بن الحكم قال: شهدت عثمان وعليا رضي الله عنهما بين مكة والمدينة، وعثمان ينهى عن المتعة [ حج التمتع ] وأن يجمع بينهما [ أي العمرة والحج ]، فلما رأى ذلك علي (عليه السلام) أهل بهما جميعا قائلا: لبيك عمرة وحج معا، فقال عثمان: تراني أنهى الناس عن شئ وتفعله أنت؟!
فقال علي (عليه السلام): لم أكن لأدع سنة رسول الله (ص) لقول أحد (2).
فيلاحظ في هذه الواقعة أن الاختلاف قد حدث بين الخليفتين المفترض اتباعهما،
____________
(1) الإمامة والسياسة لابن قتيبة 1: 12 - 13، الفتوح لابن أعثم 1: 13، أعلام النساء 4: 114 - 115، شرح ابن أبي الحديد 2: 56 و 6: 11.
(2) صحيح البخاري 3: 108 / 1412 - كتاب الحج، باب التمتع والإقران. الصفحة 59 إذ أنهما من الخلفاء الأربعة، فقد خالف علي عثمان في ما نهى الناس عنه وهو الجمع بين العمرة والحج، مؤكدا أن ما يفعله خلافا لعثمان هو سنة النبي (صلى الله عليه وآله)، ولم يكن له أن يدعها لقول أو أمر أحد من الناس، وهو بهذا يشير إلى أن عثمان قد خالف سنة النبي (صلى الله عليه وآله).
فهذا علي (عليه السلام) وهذا عثمان (رضي الله عنه) يختلفان في السنة النبوية، ولا يتبع أحدهما الآخر، والناس بالطبع منقسمون طبقا لذلك الاختلاف والانقسام. ولما خالف علي عثمان لم يعد عثمان ليتبعه في قوله، بل إن عثمان اعترض عليه قائلا: كيف تفعل شيئا تراني أنهى الناس عنه؟! غير أن عليا اتهمه بترك سنة النبي (صلى الله عليه وآله)، ولن يتركها علي من أجله، إذ هو فرد كسائر الناس.
وليست هذه هي الواقعة الوحيدة التي يختلف فيها علي (عليه السلام) مع عثمان (رضي الله عنه) ويظهر فيها عثمان مخالفا لسنة النبي (صلى الله عليه وآله) في نظر الإمام (عليه السلام)، فقد روى سفيان بن عيينة، عن جعفر بن محمد قال: " اعتل عثمان بمنى فأتي علي، فقيل له: صل بالناس، فقال علي:
إن شئتم، ولكن أصلي بكم صلاة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، يعني ركعتين.
فقالوا: لا، إلا صلاة أمير المؤمنين عثمان أربعا.. فأبى علي أن يصلي بهم " (1).
واضح من هذا أن عليا (عليه السلام) قد رفض أن يصلي بصلاة عثمان أربع ركعات، وهي سنة عثمان - وعثمان من الخلفاء الأربعة - والنبي (صلى الله عليه وآله) قال فيهم: " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء... "! فما بال علي يخالف عثمان لو كان الحديث قد صدر حقا عن النبي (صلى الله عليه وآله)؟!

إخبار النبي (صلى الله عليه وآله) لأبي بكر بالإحداث
من الواضح أن الرسول (صلى الله عليه وآله) لم يأمر باتباع سنة الخلفاء الأربعة، بل أكثر من ذلك أنه كان يعتبر ما سيسنونه من سنة إنما هو إحداث في الدين ومخالفة له بعد موته، فكان النبي (صلى الله عليه وآله) يظهر التخوف من ذلك.
يروي الإمام مالك في " الموطأ ": أن رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم قال لشهداء أحد: هؤلاء أشهد عليهم.

____________
(1) سنن البيهقي 3: 145، أحكام القرآن للجصاص 2: 310. الصفحة 60 فقال أبو بكر الصديق: ألسنا يا رسول الله إخوانهم، أسلمنا كما أسلموا، وجاهدنا كما جاهدوا؟
فقال رسول الله (ص): بلى، ولكن لا أدري ما تحدثون بعدي!
فبكى أبو بكر، ثم قال: إننا لكائنون بعدك (1).
فها هو رسول الله (صلى الله عليه وآله) يخبر أبا بكر ومن معه بإحداثهم من بعده، وأبو بكر هذا هو الخليفة الأول من الحلفاء الأربعة، فكيف يأمر الرسول (صلى الله عليه وآله) الناس باتباع سنة أبي بكر ويخبره في نفس الوقت بالإحداث من بعده؟! فهل يتناقض الرسول يا ترى؟! أم إن قوله الحق؟
وفي الحقيقة إن هذا الخطاب الصادر من رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأبي بكر لا بد من الوقوف عنده طويلا والتمعن في معانيه ومقاصده: " لا أدري ما تحدثون بعدي "، فيا للعجب:
أليس هو التغيير والتبديل، أم ليس هو مخالفة السنة النبوية؟!
ومن هم - يا ترى - هؤلاء الذين يشملهم هذا الخطاب الجمعي الذي يحمل نبأ الإحداث؟
ولو كان هذا الإخبار لا يشمل إلا أبا بكر وحده لكان كافيا في نقض حديث اتباع الخلفاء، غير أن عمر وأبا بكر كانا متصافقين متوافقين في كل خطوات حياتهما منذ أن جمعهما الإسلام، ويكفي أن النبي (صلى الله عليه وآله) قد آخى بينهما.
فهل يمكن أن يكون هذا الإنباء النبوي الشامل لأبي بكر في قوله: " لا أدري ما تحدثون بعدي " لا يشمل عمر، وهو الذي وافق أبا بكر في كل صغيرة وكبيرة، وهو الذي خلفه أبو بكر من بعده؟ فعمر من محدثات أبي بكر، كما كان أبو بكر من محدثات عمر يوم بايعه في السقيفة وشيد له أركان الخلافة بلا نص ولا حق. إذا لا نستطيع أن نصرف هذا الإخبار النبوي عن عمر بن الخطاب ليتقلب فيه أبو بكر وحده، على أن دائرة الإخبار النبوي تتسع لتشمل الكثير من الصحابة.
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع، حتى لو
____________
(1) الموطأ 1: 307، المغازي للواقدي 1: 310 - غزوة أحد. الصفحة 61 دخلوا حجر ضب تبعتموهم. قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟! " (1). وهذا إخبار صريح منه (صلى الله عليه وآله) بانحراف الكثير منهم.

محدثات أبي حفص
إن لابن الخطاب منهجا خاصا انفرد به بين الصحابة، وعمدة هذا المذهب العمري عدم التردد في التصرف كما يرى مع السنة النبوية، وإن أدى ذلك إلى تبديلها أو إلغائها وإحلال محلها ما يراه بديلا لها، سواء ذلك في حياة النبي (صلى الله عليه وآله) أو بعد وفاته.
روى أحمد في مسنده: " أن أبا موسى الأشعري كان يفتي بالمتعة [ حج التمتع ]، فقال له رجل: رويدك ببعض فتياك! إنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في النسك بعدك، حتى لقيه أبو موسى فسأله عن ذلك، فقال عمر: قد علمت أن النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم قد فعله هو وأصحابه، ولكن كرهت أن يظلوا بهن معرسين في الأراك، ثم يروحون بالحج تقطر رؤوسهم " (2).
فعمر يعلم أن النبي (صلى الله عليه وآله) قد سن متعة الحج، ورغم ذلك لم ير بأسا في إلغائها، وليس ذلك إلا لأنه كره شيئا فيها. وبكل هذه البساطة تعطل قوله تعالى: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) (3)، وها هو الإحداث العمري.
يقول البيهقي: " ما أعمر رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم عائشة في زمن الحج إلا ليقطع بذلك أمر الشرك " (4)، ذلك لأن المشركين في الجاهلية " كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض " (5).. فانظر إلى سبب إدخال النبي (صلى الله عليه وآله) العمرة في الحج، إذ أنها سنة نبوية تخالف سنة جاهلية راجت بين المشركين، فكيف سهل على الفاروق - وهو الذي قيل إنه فرق بين الحق والباطل - إعادة الباطل وإحياؤه وإماتة الحق
____________
(1) صحيح البخاري 4: 187، صحيح مسلم 8: 57، مسند أحمد بن حنبل 3: 84 و 94.
(2) مسند أحمد 1: 50.
(3) الحشر: 7.
(4) سنن البيهقي 4: 245.
(5) صحيح مسلم: كتاب الحج - باب التمتع والعمرة، صحيح البخاري 3: 109 / 1413 - كتاب الحج. الصفحة 62 وإلغاؤه!
ولقد أغلق النبي (صلى الله عليه وآله) باب الاجتهاد في إلغاء أو تغيير شئ في متعة الحج، فبعد أن أعلن النبي (صلى الله عليه وآله) متعة الحج في حجة الوداع أمام ما يربو على مائة ألف مسلم، قام سراقة بن مالك فقال: يا رسول الله، ألعامنا هذا التمتع أم للأبد؟ فشبك أصابعه الشريفة وقال: " دخلت العمرة في الحج، دخلت العمرة في الحج لأبد الأبد " (1).
فهل يجوز بعد هذا لأبي حفص أو غيره أن يجتهد ويمنع متعة الحج؟! ولكن النبي (صلى الله عليه وآله) قال لهم قبل ذلك: " لا أدري ما تحدثون بعدي "، فإنها دلائل النبوة.
فها نحن قد شهدنا أن حديث الخلفاء يحذر المؤمنين من الاختلاف ويأمرهم باتباع الخلفاء الأربعة، لأن في ذلك نجاتهم من الشقاق والاختلاف وسلامة لهم من محدثات الأمور والبدع، ولكن رأينا أبا بكر ومن نحا نحوه قد أخبرهم النبي (صلى الله عليه وآله) بارتكاب الإحداث والتغيير، وشاهدنا الخلفاء أنفسهم وقعوا في مغبة الاختلاف فاختلفوا فيما بينهم، كما رأينا ما حدث من اختلاف بين أبي بكر وعمر من ناحية والإمام علي (عليه السلام) من ناحية أخرى في مسألة الخلافة، وشاهدنا مثالا للاختلاف بين الإمام علي (عليه السلام) وعثمان بن عفان في سنة النبي الأكرم، ورأينا كيف عمد عمر بن الخطاب إلى إلغاء سنة النبي (صلى الله عليه وآله) التي سنها إلى الأبد.
فهذا الاختلاف الذي نشأ بين الخلفاء أدى إلى نفس المخاوف التي من أجلها وعظ النبي (صلى الله عليه وآله) أصحابه بالحديث المذكور الذي فيه الأمر باتباع الأربعة، فلقد حدث الاختلاف ووقع الإحداث ووقع الناس فيه، فكيف يبين الرسول (صلى الله عليه وآله) سبيل النجاة والسلامة من الاختلاف والإحداث باتباع الخلفاء فيقعون هم أنفسهم فيما فرض أن نجاة الناس منه هؤلاء الخلفاء؟! فما دامت أحاديث النبي (صلى الله عليه وآله) وحيا فالوحي لا يخطئ، مما يوضح أن هذا الحديث موضوع على لسان النبي (صلى الله عليه وآله) ومقول عليه.
فالرسول (صلى الله عليه وآله) لم يكن يمنع المسلمين من الاختلاف ويحذرهم إياه ويأمرهم باتباع الخلفاء الأربعة للنجاة منه ويرى وقوع الاختلاف بين الخلفاء ولا يرى له خطرا. والحق
____________
(1) صحيح مسلم 1: 467. الصفحة 63 أن الاختلاف بين الخلفاء لهو أشد خطرا من اختلاف العامة من المسلمين ما دام القادة في سلامة منه.
فالحق إن اتبع لن يجد الاختلاف إلى اتباع ذلك الحق سبيلا، وكما أن الحق واحد، فالمجتمعون عليه وإن كثر عددهم فهم في الحقيقة واحد، فكيف يختلف الواحد؟! بل كيف يختلف الاثنان وهما على الحق! إذا فالواحد لا يختلف ليكون اثنين والاثنان لا يختلفان وهما قد توحدا على الحق بعد إدراكه. نعم ليس كل ما اجتمع عليه حقا لأن الكثيرين يمكن اجتماعهم على الباطل كما يمكن أن يختلفوا وهم على الباطل أيضا بأن يكون الاختلاف بين الطرفين: كل طرف يدعي باطلا يظنه الحق، وكما يمكن أيضا اختلافهم بأن يكون طرفا الخلاف أحدهما على الباطل والآخر على الحق.
فهذه صور ثلاث أدى إليها وجود الباطل في أحد الطرفين، إذا فالباطل إما أن يتفق عليه، أو يختلف فيه، أو يختلف الباطل مع الحق. وأما الحق فله صورة واحدة إذ أنه واحد، فلا بد من الاتفاق عليه والاتحاد فيه. وأية صورة بخلاف ذلك فهي متضمنة للباطل بأي شكل كان. ولهذا فأينما وجد الاختلاف فاعلم أن الباطل قد أطل برأسه من جهة أو من الجهتين بباطلين مختلفين في الموضوع والهدف، ولهذا حذر منه النبي (صلى الله عليه وآله)، وهو تحذير تناول المعلول دون العلة، فالباطل علة الاختلاف.
إن الاختلاف الذي وقع بين الصحابة كافة أو بين الأربعة هو صورة واحدة من صور الاختلاف الثلاث، ولهذا لا يمكن أن يكون اتباعهم على السواء نجاة من الاختلاف.
ولمعرفة الحق لا بد من علامات ومعالم وإشارات وأدلة من سنخ الحق نفسه تشير وتدل عليه.
وخلاصة هذا الأمر أن حديث اتباع سنة الخلفاء حديث محرف المعنى والدلالة، فهو إن كان يدل على اتباع الخلفاء فهو لا بد أن يدل بالتأكيد على وحدتهم واتساقهم، لا سيما في سنة النبي (صلى الله عليه وآله) وكل ما يهم الناس.
ثم إنه هناك دلالة في الحديث تشير إلى اتباع الأربعة، فإن اسم الخلفاء الوارد في الحديث لا يعني بأي شكل كان أنهم الخلفاء الأربعة. وهل الخلفاء أربعة كما ذكر؟
الصفحة 64 وهل هناك ما يدل على ذلك؟ أم أنهم أكثر من هذا العدد؟
واتباع أحد الأربعة بهذا الأمر إما لأنهم متبعون للنص فيكون اتباعهم ليس لسبب غير النص نفسه، وإما لأنهم غير متبعين للنص فلا يجوز اتباعهم فيما خالفوا به النص.
ولو كانت الحجة في قولهم بسبب اعتمادهم على النص فلا يختص هذا بهم، إذ كل من يعتمد في قوله على نص فقوله بهذه الصورة مقبول. أما بخلاف ذلك فلا، لأن الجميع يجب أن يخضعوا للنص، وعلى الجميع طاعة النبي (صلى الله عليه وآله). وحتى أولو الأمر ليس لهم العمل بما يخالف القرآن والسنة. وطاعة الرسول لا تعني مخالفته والعمل بخلاف ما يأمر به وينهى عنه، وهذا واضح بالبداهة، فالذي يجتهد في مسألة بين الرسول (صلى الله عليه وآله) أمر الله فيها ويخلص من اجتهاده إلى ما يخالفها فقد خالف النبي (صلى الله عليه وآله) بذلك، ولا يقبل قوله، بل يجب أن يعاقب على هذا الخلاف. والاجتهاد ضد النص أو مع وجود النص مخالفة صريحة لله ورسوله.
ولو جاز الاجتهاد ضد النص فكيف تكون السنة مصدرا للتشريع؟ أليس ذلك عملا بخلافا لشرع، إذ لم يعتمد على مصدره؟

مخالفة الصحابة للخلفاء الأربعة
لقد علمنا أن الاختلاف أخذ بتلابيب الخلفاء أنفسهم، ولم يتبع بعضهم بعضا في كثير من المواطن، وهذا ما يتناقض مع الحديث الآمر باتباعهم للنجاة من الاختلاف. كما علمنا أن البدع قد صدرت من بعضهم، وهم - على أساس حديث الخلفاء - معول عليهم في نجاة الأمة من البدع والمحدثات.
غير أن الصحابة لم يترددوا في مخالفة الخلفاء في كثير من الأمور، فكيف يستقيم ذلك والأمر باتباعهم؟! والمخالفون لهم من أجلة الصحابة، لا مجال للطعن فيهم، أو اتهامهم بالنفاق. فإما أن يكون قد أعرضوا عن أمر الرسول (صلى الله عليه وآله) الصادر باتباعهم، وإما أن يكون الحديث موضوعا عليه (صلى الله عليه وآله). ونقول نحن بالرأي الأخير، ليس لما رأيناه من مخالفة الصحابة للخلفاء فحسب، بل لأسباب سقناها وسنسوق بعضها فيما يأتي من فصول، إن شاء الله.

الصفحة 65 مخالفة سعد بن عبادة لأبي بكر وعمر
من الشخصيات البارزة في جيل الصحابة شخصية الصحابي الجليل سعد بن عبادة، فلقد كان من أشد المخالفين لأبي بكر وعمر في أمر الخلافة.
فلما تمت البيعة لأبي بكر بالصورة التي كانت، أرسلوا إلى سعد يطلبونه أن يبايع، فقال لهم: " لا والله، حتى أرميكم بكل سهم في كنانتي، وأخضب منكم سناني ورمحي، وأضربكم بسيفي ما ملكته يدي، وأقاتلكم مع من معي من أهلي وعشيرتي " (1). فانظر إلى شدة سعد على الشيخين أبي بكر وعمر، فإنه لم يرفض بيعتهما فحسب، بل أقسم على قتالهما بأهله وعشيرته، فأي حديث نقبل؟! وأي حديث نصحح؟ فأمامنا حديث الاقتداء بالصحابة، وها هو سعد منهم، وهو نجم به تتحقق الهداية. وأمامنا حديث الخلفاء الأربعة والأمر باتباعهم، ورأينا سعدا يخالفهم ولا يقبل منهم إلا بعد أن يخضب سنانه بدمائهم ويضرب أعناقهم بسيفه.
وإنه لما قال عمر بن الخطاب: " اقتلوا سعدا، قتله الله " نهض قيس بن سعد يأخذ بلحية عمر ويقول له: " والله لو حصحصت منه شعرة ما رجعت وفيك واضحة " (2).
وأما الحباب بن المنذر فهو الآخر لم يكن يعرف لأبي بكر وعمر طاعة في يوم السقيفة قط، فلما رد الشيخان كلامه في أمر الخلافة صاح قائلا: " والله لا يرد علي أحد ما أقول إلا حطمت أنفه بالسيف، أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب، أنا أبو شبل في عرينة الأسد " (3).
لقد كان الحباب مستعدا لضرب من يخالفه منهما ويحطم أنفه بسيفه، كما كان مستعدا لتولي أمر الخلافة بنفسه، فضلا عن إبائه التسليم والبيعة لهما بالخلافة.
فلا سعد ولا قيس ولا الحباب ولا علي يعرفون حديث الخلفاء! ليس لأنهم خالفوه، بل لأنه حديث لم يكن له وجود في ذلك الوقت، بل ولد أخيرا في مهد الدولة
____________
(1) الكامل في التاريخ لابن الأثير، حوادث سنة إحدى عشرة - ج 2.
(2) تاريخ الطبري، حوادث سنة إحدى عشرة - ج 2.
(3) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2: 16. الصفحة 66 الأموية، وتربى على أحضانها بهذا المعنى.
والاختلاف الذي حدث في يوم السقيفة يؤيد ما ذهبنا إليه، إذ لو كان للحديث وجود في ذلك الوقت بمعنى الخلفاء الأربعة - كما فسر - وأنه كان عهدا ووصية من النبي (صلى الله عليه وآله) لما حدث ما حدث من اختلاف وتنازع وخصام كادت أن تزهق فيه أرواح طاهرة، ولما احتاج أبو بكر وعمر إلى بذل الوسع وشق الأنفس في إقناع الأنصار بعدم أحقيتهم في الخلافة بأدلة غير هذا الحديث، إذ أنه كان يكفي في إثبات الحجة وإقامة الدليل على خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، ولما اضطر عمر إلى تشكيل شورى سداسية لتختار خليفة للناس من بعده، كما حدث، إذ المفترض أن الحديث قد أوجب طاعة الأربعة، بعد أن فسروه بهم. ولكن هيهات، فالحديث موضوع باسم رسول الله (صلى الله عليه وآله) عندا، فليتبوأ واضعه مقعده من النار.

خلاف بعض الصحابة للخليفة الرابع
وأما هذه فهي مسألة أخرى من الواضحات المسلمات، وقد أصابت من " حديث الخلفاء " مقتلا، ذلك لأن الإمام عليا هو رابع الخلفاء، وعلى هذا فسنته واتباعه - طبقا لهذا الحديث - حجة وجبت على الصحابة، وإلا كان المخالف رادا على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومخالفا له بلا ريب.
فهذا معاوية وذاك طلحة والزبير وتلك عائشة أم المؤمنين، وتلك الفئة الباغية، فمن منهم لم يخالف الإمام عليا (عليه السلام) ولم يعلن عليه الحرب الضروس، عامدين لقتله وهو الخليفة الرابع؟!
وأما معاوية فقد حاربه ولعنه وأمر الولاة في دولته بلعنه وسبه على الملأ، واستمر لعن الإمام بعد معاوية كسنة راجت أكثر من خمسين عاما، يقول الطبري: " إن معاوية لما استعمل المغيرة بن شعبة على الكوفة سنة إحدى وأربعين وأمره عليها دعاه وقال له: لقد أردت إيصاءك بأشياء كثيرة أنا تاركها اعتمادا على بصرك، ولست تاركا إيصاءك بخصلة: لا تترك شتم علي وذمه، والترحم على عثمان والاستغفار له، والعيب لأصحاب علي والإقصاء لهم، والإطراء الصفحة 67 لشيعة عثمان والإدناء لهم.
فقال له المغيرة: قد جربت وجربت، وعملت قبلك لغيرك فلم يذممني، وستبلو فتحمد أو تذم.
فقال: بل نحمد إن شاء الله " (1).
إقرأ قول معاوية: " لا تترك شتم علي وذمه "، فهل يبقى لحديث الخلفاء حجة على أحد بعد هذا القول؟! أرجو أن لا يخطئ القارئ ويظن أن معاوية أمر المغيرة بالترحم على عثمان والاستغفار له لأنه من الخلفاء الأربعة. كلا، بل هي القبلية والعصبية واللعبة السياسية. وهذا أقل ما يمكن أن يقدمه معاوية لعثمان، لأن معاوية مدين لعثمان، كما هو مدين لمن سبقوه فيما بلغه من مقام بين أهل الشام، حتى بلغ ما يصبو إليه. فقد تركوا له الشام يتصرف فيها كما يشاء مدة أربعين عاما انتهت بوفاته وخلافة ابنه يزيد الفاسق.
وأما طلحة والزبير فحدث عنهما ولا حرج، فقد خالفا الخليفة الرابع أسوأ ما تكون المخالفة وأشد، وذلك لأنه من الخلفاء الأربعة المأمور باتباعهم، ولأنهما سبقا الناس وتصدرا غيرهما في البيعة له، إذ كانا أول من بايع الإمام يوم هجم الناس عليه يبايعونه طوعا ورغبة منهم، ولأنهما حارباه بعد ذلك كله وألبا عليه الناس.
فاسمع كيف يتألم الإمام لما فعلا، يقول علي (عليه السلام): " اللهم إنهما قطعاني وظلماني ونكثا بيعتي وألبا الناس علي، فاحلل ما عقدا ولا تحكم لهما ما أبرما، وأرهما المساءة فيما أملا وعملا.
ولقد استتبتهما قبل القتال، واستأنيت بهما أمام الوقاع، فغمطا النعمة وردا العافية " (2).
وقد كتب الإمام علي (عليه السلام) رسالة إليهما قبل القتال ينذرهما ويعظهما، قائلا: " فارجعا أيها الشيخان عن رأيكما، فإن الآن أعظم أمركما العار، من قبل أن يتجمع العار والنار، والسلام " (3).

____________
(1) تاريخ الطبري، وتاريخ الكامل لابن الأثير: ذكر حوادث سنة 51 هـ‍.
(2) نهج البلاغة، شرح محمد عبده ص 306.

(3) نفس المصدر السابق ص 626. الصفحة 68 مخالفة عائشة لعثمان وعلي رضي الله عنهم
إن موقف عائشة أم المؤمنين من الخليفة الثالث عثمان بن عفان من المواقف التي يستحيل إنكارها أو إخفاء ما يكتنفها من حقائق، إذ لا تخلو منها كتب السير والأخبار.
لقد خالفت عائشة عثمان أشد خلاف واتهمته أشد تهام، وأصدرت فتوى كفره وقتله، فقالت: " اقتلوا نعثلا، فقد كفر " (1).
يقول ابن أبي الحديد: " كل من صنف في السير الأخبار ذكر أن عائشة كانت من أشد الناس على عثمان، حتى أنها أخرجت ثوبا من ثياب رسول الله فنصبته في منزلها، وكانت تقول للداخلين عليها: هذا ثوب رسول الله، لم يبل وعثمان قد أبلى سنته. (قال) وقالوا: أول من سمى عثمان نعثلا عائشة، وكانت تقول: اقتلوا نعثلا، قتل الله نعثلا. (قال) وروى المدائني في كتاب " الجمل ": لما قتل عثمان كانت عائشة بمكة، وبلغ قتله إليها، فلم تشك أن طلحة هو صاحب الأمر، فقالت: بعدا لنعثل وسحقا " (2).
فهذه هي الحميراء التي عندها نصف الدين - كما يقول أهل السنة - تفتي بكفر عثمان وقتله، لتبديله وإبلائه سنة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولم تعر حديث الخلفاء اهتماما، فهل خالفت السنة هي الأخرى؟ أم لم يكن للحديث وجود، فلم تكن قد سمعت به من زوجها صاحب السنن (صلى الله عليه وآله)؟
وعلى كل، فإن عملنا بقول عائشة فقد دحض حديث الخلفاء، لتكفيرها عثمان إذ أنه منهم. وإن عملنا بحديث الخلفاء فقد دحض حديث الاقتداء بالصحابة، لبطلان قولها حينئذ، إذ أنها منهم. وهذا هو التناقض الفاضح، والاختلاف الكبير بين الحديثين، الأمر الذي يشير إلى أنهما من عند غير الله، وهو الباطل لا غير.
وأما موقفها من علي (عليه السلام) فيحكي نفسه ويبديها للملأ من أعلى سنام الجمل، ومن داخل الهودج الذي استقر على ظهر " عسكر ". وهذا كله مجتمعا يتظافر ليؤكد أن عائشة
____________
(1) تاريخ الطبري 3: 476.
(2) كتاب النص والاجتهاد لشرف الدين الموسوي ص 293 - المورد 83، نقلا عن شرح النهج لابن أبي الحديد. الصفحة 69 لا تطيب نفسا لعلي بخير (1). وأمامنا أحاديث الرسول (صلى الله عليه وآله) في بيان نفاق من يبغض عليا (عليه السلام).
فماذا ترى نقول في حديث قد خالفه كل الصحابة بقضهم وقضيضهم، ولم يعمل به واحد منهم؟! فالذي لم يخالف أبا بكر فقد خالف عمر، والذي لم يخالف عمر فقد خالف وسب وخاصم عليا (عليه السلام)، والذي لم يخالف عليا فقد خالف أبا بكر وعمر معا، فأي موقف يمكن أن نجد فيه ما يكون مصداقا لهذا الحديث، لنشاهده في الواقع بين الناس؟! ولكن هيهات، هيهات المصداق.

____________
(1) صحيح البخاري 1: 170، صحيح مسلم 1: 312، سيرة ابن هشام 4: 292. الصفحة 70 الصفحة 71

منقوول





الموضوع الأصلي : دعوة إلى سبيل المؤمنين
المصدر : القانون الحديث المفقود في الطب
الكاتب: ام خالد

...............................................................................................
ربنا اغفرلي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب
 ام خالد
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

ام خالد

السادة الأعضاء
avatar






انثى

المساهمات : 993

تاريخ التسجيل : 08/09/2012

العمل. العمل. : الطب


3:مُساهمةموضوع: رد: دعوة إلى سبيل المؤمنين    الجمعة 1 نوفمبر 2013 - 6:45

الفصل الثاني: حديث الاقتداء بأبي بكر وعمر

الباب الأول: الاقتداء بأبي بكر وعمر
من هي الزهراء؟
ماذا كان بينها وبين أبي بكر وعمر؟

الباب الثاني: مواقف عمر من أقوال وأفعال النبي 9 عمر وصلح الحديبية.
عمر وصلاة النبي (صلى الله عليه وآله) على ابن أبي المنافق.
ضرب عمر لمبعوث رسول الله (صلى الله عليه وآله).
عمر ورزية يوم الخميس.
تزييف الاعتذار من نواح أخر.

الصفحة 72 الصفحة 73 الباب الأول
الاقتداء بأبي بكر وعمر
من المعلوم أن الأساس الذي تدور عليه الحجية - سواء كانت حجية نص أو حجية شخص - هي العصمة، فحجية القرآن لعصمته، فهو (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه) (1). وحجية النبي (صلى الله عليه وآله) لعصمته (صلى الله عليه وآله)، لكونه (لا ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى) (2). وحجية أولي الأمر لعصمتهم التي بسببها وجبت على الناس طاعتهم، وذلك لقوله تعالى: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) (3).
وأما ما كان غير ذلك من كلام أو أشخاص فلا حجية فيه، فإذا وضح ذلك.. فما الحجية في قول أو فعل وسيرة أبي بكر وعمر؟. فمن يأمر النبي (صلى الله عليه وآله) باتباع سنته وقوله وفعله لا بد أن يكون معصوما، ولا يمكن لشخص معصوم أن يرتكب أخطاء مما يرتكبه الناس. ومن يقع فيما يقع الناس فيه من أخطاء لا يتميز عنهم بشئ، وبالتالي لا يرى الناس لزوما للخضوع له والعمل بأمره ونهيه، ولا ترتاح النفوس لاتباعه، بل يصبح عرضة لانتقادهم واعتراضاتهم، فالذي يقع في الخطأ لا يستطيع أن يمنع الناس عن
____________
(1) فصلت: 42.
(2) النجم: 3 و 4.
(3) النساء: 59. الصفحة 74 ارتكابه، وإذا أقدم على ذلك فسيقل شأنه ويسقط اعتباره عندهم، وإذا أمر عليهم لا يطيعونه ولا يقتدون به.. فكيف يصدر الرسول أمرا باتباع من ليست له عصمة؟!
وقد روي أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: " اقتدوا بالذين من بعدي، أبو بكر وعمر "! فإما أن تكون لهما العصمة، ولهذا أمر الرسول باتباعهما. وإما أن لا تكون لهما العصمة.
فإن كانت لهما عصمة من الله تعالى فلا بد من إثبات ذلك، والحال أنه لم يقل أحد بهذا، ولا يؤيد الواقع عصمتهما.
وإن لم تكن لهما عصمة من الله فلأي سبب أمر الرسول بالاقتداء بهما؟! والله تعالى لم يأمر باتباع وطاعة الرسول إلا لعصمته، ودون العصمة لا طاعة أبدا، فكيف يأمر الرسول باتباع وطاعة غير المعصوم؟! لقد راعى الله عصمة النبي (صلى الله عليه وآله) ولذا أوجب طاعته، فكيف لا يراعي ذلك النبي (صلى الله عليه وآله) فيأمر بطاعة غير المعصوم؟! إن هذا محال.
وقد يقول قائل: ما أمر النبي بطاعة واتباع هذين إلا لحرصهما على متابعته والعمل بسنته. ولكن.. لماذا كان الأمر باتباعهما هما على الخصوص؟ 1 ألم يكن عثمان حريصا على متابعة النبي (صلى الله عليه وآله) والعمل بسنته؟! وهل كان الإمام علي لا يملك ذلك الحرص؟! غير أننا سنشهد مواقف لهما لا نرى فيها ذلك الحرص على اتباع النبي (صلى الله عليه وآله).
ثم ماذا تقول في مخالفة كثير من الصحابة للشيخين في أمر الخلافة، وعلى رأسهم الإمام علي (عليه السلام) وكل بني هاشم، ولا سيما فاطمة الزهراء (عليها السلام)؟! ولن ننسى موقف سعد حيالهما، فكيف نوفق بين أمر النبي (صلى الله عليه وآله) بالاقتداء بهما ومخالفة الهاشميين والأنصار لهما في أمر الخلافة؟!
أو لم يسمع أهل البيت (عليهم السلام) بهذا الحديث الآمر باتباعهما؟! أم لم يكن للأنصار خبر به؟! وكيف لا يكون لهم خبر به وهو أمر وعهد ووصية منه (صلى الله عليه وآله)؟! على أن فقدان العصمة وحده يبطل هذا الحديث.
يقول الإمام الغزالي في ذلك: " فإنه من يجوز عليه الغلط والسهو ولم تثبت عصمته عنه فلا حجة في قوله، فكيف يحتج بقولهم مع جواز الخطأ؟! وكيف تدعى عصمتهم من غير حجة متواترة؟! وكيف يتصور عصمة قوم يجوز عليهم الاختلاف؟! وكيف يختلف الصفحة 75 المعصومان؟!... ".
نعم، يجب ألا يختلف المعصومان أبدا، لأن المعصوم بعيد عن الباطل وواقف على الحق. والحق - كما هو معروف - واحد لا يختلف، فما يدركه المعصوم من الحق في المسألة الواحدة هو نفس الحق الذي يدركه المعصوم الآخر منها، ولعدم اختلاف الحق لا يختلف المعصومان، فهل كان لأبي بكر أو عمر تلك العصمة؟
على أن النبي (صلى الله عليه وآله) أخبر أبا بكر بالإحداث - كما مر عليك - فقال له: " لا أدري ما تحدثون بعدي "، فالنبي كان يعلم أن أبا بكر ومن معه سيحدثون أمرا في الدين، فهل من المعقول أن يأمر بعد ذلك بالاقتداء به على الوجه الذي رأيت؟!
ولأبي بكر موقف مشهور مع بضعة النبي (صلى الله عليه وآله) وبنته البتول، أدى موقفه ذاك إلى إغضابها وإسخاطها!
وأما عمر فله مواقف مع النبي (صلى الله عليه وآله) عدة، وستمر عليك مواقف الشيخين هذه إن شاء الله عاجلا.
فالحديث هو من صنائع بني أمية، وهو من تلك الأحاديث التي وضعت في مقابل ما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) من اتباع العترة الطاهرة.
ذكر المدائني: " كتب معاوية نسخة واحدة إلى عماله بعد عام الجماعة: أن برئت الذمة ممن روى شيئا من فضل أبي تراب وأهل بيته... " (1)، فسد الباب أمام فضائل أهل البيت، وانفتح لفضائل غيرهم بلا ريب وإن لم توجد. وهذا الحديث من تلك.

من هي الزهراء؟
الزهراء هي فاطمة البتول، بنت محمد (صلى الله عليه وآله)، وهي زوجة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وهي أم الحسن والحسين (عليهما السلام).
فأبوها هو سيد الأنبياء على نبينا وآله وعليهم أفضل الصلاة والسلام.
وأمها أول من آمن على البسيطة بنبي الله الكريم، وكانت أحب نسائه إليه بلا مراء.

____________
(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1: 15 - 161 - نقلا عن المدائني. الصفحة 76 وأما زوجها فهو ولي كل مؤمن ومؤمنة، ولا يحبه إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق، حبه إيمان وبغضه كفر، وهو ابن عم الرسول وسيف الله المسلول، كاتب الكتائب، ومظهر العجائب، أسد الله الليث الغالب، فارس المشارق والمغارب، هو الفاروق والصديق الأبر لا يدعيها غيره إلا كاذب، كما قال النبي (صلى الله عليه وآله) (1).
وأما ابناها فهما سيدا شباب أهل الجنة، كما هو مشهور (2).
وأما هي (عليها السلام) فهي، يروي البخاري: " حدثنا موسى بن عوانة، عن فراس، عن عامر، عن مسروق قال: حدثني عائشة أم المؤمنين، قالت: كنا أزواج النبي (صلى الله عليه وآله) عنده جميعا لم تغادر منا واحدة، فأقبلت فاطمة تمشي، لا والله ما تخرم مشيتها مشية النبي (ص). فلما رآها رحب، وقال: مرحبا يا بنتي. ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله، ثم سارها، فبكت بكاء شديدا، فلما رأى حزنها سارها الثانية، إذ هي تضحك.
فقلت لها أنا من بين نسائه: خصك رسول الله بالسر من بيننا، ثم أنت تبكين؟!
فلما قام رسول الله سألتها: عم سارك؟
قالت: ما كنت لأفشي على رسول الله سره.
فلما توفي قلت لها: عزمت عليك بما لي عليك من الحق، لما أخبرتني.
قالت: أما الآن فنعم.. فأخبرتني.
قالت: أما ما سارني في الأمر الأول فإنه أخبرني أن جبريل كان يعارضه بالقرآن كل سنة مرة، وأنه عارضني به العام مرتين، ولا أرى إلا الأجل قد اقترب، فاتقي الله واصبري، فإن نعم السلف أنا لك. قالت: فبكيت بكائي الذي رأيت، فلما رأى جزعي سارني الثانية.. قال: يا فاطمة، ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين، أو نساء هذه الأمة؟ " (3).
ولقد ذكر ابن حجر هذا الحديث، وفيه: " ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء
____________
(1) أنظر مسند أحمد بن حنبل 4: 281، المستدرك على الصحيحين 3: 130، 137، 142، خصائص النسائي 3، الإصابة لابن حجر ج 7 / القسم 1 ص 167.
(2) أنظر المستدرك على الصحيحين 3: 167، الإصابة لابن حجر ج 1 / القسم 1 ص 266، كنز العمال 6: 220 - 221، 7:
107، 111.
(3) صحيح البخاري 4: 64 - كتاب الاستئذان، صحيح مسلم: فضائل الزهراء - ج 2، مسند أحمد بن حنبل 6: 282. الصفحة 77 العالمين؟ " (1).
فهذه هي الزهراء، سواء كانت سيدة نساء العالمين، أو سيدة نساء المؤمنين، أو نساء هذه الأمة، إذ أن ذلك من مسلمات الأمور وبديهياتها.
وبالتأكيد لم يكن النبي (صلى الله عليه وآله) مبالغا في وصف الزهراء بهذا الوصف وإعطائها هذه السيادة، ولم يكن وضعه إياها في هذا المكان السامق من قبيل المحاباة لبنته، لماذا؟
ذلك لأنه هو النبي الصادق، وهو الرسول العدل، بل لأنه لا ينطق عن هوى النفس ولا بغير الوحي، إنما نطقه وحي يوحى من الله تعالى، فهو إذا براء من التلفظ تبعا لما تهوى نفسه وتشتهي. بل إن هذه السيادة وتلك الرفعة الفاطمية لم تكن نالتها بسبب خارج عن إيمانها ويقينها وتقواها، أي ليس لأنها بنت النبي (صلى الله عليه وآله) فنالت هذه السيادة دون أن يكون لها صفة تؤهلها ذاتا لذلك المقام الرفيع، فهي إذا إن لم تكن لها تلك الأهلية الإيمانية لا يمكن أن تحظى بهذه الصفة وتنال مقاما لم يتوفر إلا لأربعة نساء (2) في الوجود، فتتربع عليه على هذا الأساس من الكمال والفائق.
ويقول تعالى: (والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شئ) (3).. فانظر كيف اشترط الله الإيمان السابق حتى يكون علة لإلحاقهم بآبائهم وإعطائهم ما لهم من الثواب دون نقصان. فالإيمان السابق إذا هو تلك الأهلية التي يجب أن تتصف بها الذرية. وهكذا الزهراء، نالت هذا المقام بذلك الإيمان، والرسول (صلى الله عليه وآله) ما هو إلا كاشف عن هذا المقام الفاطمي.
والإيمان - كما هو معلوم - بين زيادة ونقصان، ولما علم نيل الزهراء لهذا المقام الإيماني علم أن إيمانها ويقينها وتقواها مما بلغ شأوا وجعلها في المقام المحمدي غير ممنون. ومما يؤكد ما ذهبنا إليه ما رواه إمام الحنابلة: " عن عبد الرحمن الأزرق، عن علي (عليه السلام)، قال: دخل علي رسول الله (ص) وأنا نائم على المنامة، فاستسقى الحسن أو الحسين.

____________
(1) الإصابة لابن حجر: ترجمة الزهراء (عليها السلام).
(2) كتاب الإستيعاب: ترجمة خديجة (عليها السلام).
(3) الطور: 21. الصفحة 78 قال: فقام النبي (ص) إلى شاة لنا بكئ (أي قل وانقطع لبنها) فحلبها فدرت، فجاءه الحسن فنحاه النبي (ص)، فقالت فاطمة: يا رسول الله، كأنه أحبهما إليك. قال: لا، ولكنه استسقى قبله [ انظر إلى عدالة النبي ]. ثم قال: إني وإياك وهذين وهذا الراقد في مكان واحد يوم القيامة " (1).
فالزهراء (عليها السلام) باستيفائها الشرط المذكور في الآية - وهو الإيمان - صارت مع أبيها (صلى الله عليه وآله) في مقام واحد يوم القيامة. وبعد هذا لا يصح أن يلتبس على أحد أمره في مقام السيادة الفاطمي الإيماني فيمر عليه دون انتباه، أو دون وقفة في مقام الانبهار والإجلال لشموخه، منزها إياها عن كل ما يعكر صفو ذلك المقام أو ما يناقضه من ارتكاب الخطأ أو الآثام، ذلك لأن الذي يكون مع النبي المعصوم في مقام واحد يوم القيامة يلزم أن يكون معصوما، وإلا لزم مشاركة غير المعصوم للمعصوم في مقامه وثوابه، وهذا محال. فأقل خطأ يتنزل به المقام عن مقام المعصوم، لمراعاة العدالة الإلهية.
إذا فمقام الزهراء جامع لكل الصفات الحسان، لأنه لا يستقيم أن تنال هذا الشموخ وثمة شائبة من الجهل بسنة أبيها أو الجهل بما أنزل عليه من القرآن. أو لا يمكن أن تكون قد ألحقت بهذا المقام السامي المشترط فيه الإيمان المساوق له ويكون قد جرى يوما كذب على لسانها أو جانبت الحق يوما واقتحمت دائرة الباطل، ذلك لأن هذا المقام الإيماني مبدد لكل شين ولكل فعل يخالف هذا المقام، وهو مذهب لكل وصمة تعارضه.
إن الجهل يوقع الإنسان في القبح لعدم العلم به، أو يوقع الإنسان في التقصير في أمر العبادات وأداء التكاليف. وفي الواقع إن المقام الفاطمي هو مقام تزكية وتطهير إلهي لأهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله)، فهذا القرآن يصدح بذلك في قوله تعالى: " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) (2). والرجس هو القبح أو كل ما يكون علة له. وقد تم تطهيرهم عنه بمشيئة وإرادة الله التكوينية. ومن أقل لوازمه مراقبة الله والخشية منه، فضلا عن علم اليقين الذي يكشف عن قبائح الأخطاء فيورث النفس نفرة منها وتنائيا، وها هي
____________
(1) مسند أحمد 1: 101.
(2) الأحزاب: 33. الصفحة 79 العصمة لا غير.
إذا فالزهراء ليست جاهلة بالدين بل عالمة بأموره تماما لا يغيب عنها شئ من مسائله، بل من غير المعقول أن تكون على غير ذلك بالنظر إلى أنها الطاهرة المطهرة إلهيا الزكية الصفية من كل ما يشين البرية، وبالنظر إلى استحالة أن يتركها أبوها عليه وعليها أفضل الصلاة والتسليم جاهلة ولو بمسألة من أمور الدين، وهي له القريبة والحبيبة والبضعة التي يغضبه ما يغضبها.
على أن النبي عليه وعلى آله الصلاة والسلام الذي جاء معلما للبشرية والذي بعث متمما لمكارم الأخلاق أربأ به أن يترك بضعته في حوالك الجهل ويخرج الآخرين من ظلماته إلى أنوار العلم، وهل جهلها وحديث الثقلين؟!
وهل يأمر النبي (صلى الله على وآله) الناس بالبر وينسى نفسه! أم أنه لم يؤمر بأن ينذر عشيرته الأقربين؟! وهل هذا الإنذار محدود زمنيا ببدء الرسالة؟
أم كانت الزهراء مشاقة للنبي (صلى الله عليه وآله) ولم تكن ترى اقتفاء أثره والاقتداء به؟!
لقد تنزهت الزهراء عن كل ما يشين، ولا سيما الكذب وادعاء الباطل، وأخذ ما ليس لها بحق، بل لا يمكن أن تغضب غضبا طفوليا لا أساس له، لأن النبي (صلى الله عليه وسلم) عندما قال من جانب الوحي: " فاطمة بضعة مني، يغضبني ما يغضبها " (1) لم يكن النبي (صلى الله عليه وآله) أراد أن يحمل الناس ذلك ظلما أو تكليفا لهم فوق طاقتهم. وليس هناك سوى ذلك لو كان النبي (صلى الله عليه وآله) قد جعل غضب الزهراء علة لغضبه الذي هو علة لغضب الله تعالى وهو يعلم أن للزهراء غضبا، أو يمكن أن تغضب غضبا ليس في محله أو تطالب بحق ليس لها فتغضب لذلك.
فلو كانت الزهراء تغضب على الناس دون وجه حق، ويغضب النبي (صلى الله عليه وآله) لذلك، فهذا لا يعني إلا شرخا في عدله وانصداعا في رأفته ورحمته بالناس التي شهد بها القرآن! ولا يعني إلا محاباة لبنته دون سائر الناس، تلك المحاباة المتنافية مع قوله: " لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطع محمد يدها ".
وهذا دليل على مضي عدله واستقامته (صلى الله عليه وآله). على أن الزهراء بعيدة عن عار السرقة،
____________
(1) كتاب الشرف المؤبد للنبهاني: أحوال الزهراء - نقلا عن البخاري.

الموضوع الأصلي : دعوة إلى سبيل المؤمنين
المصدر : القانون الحديث المفقود في الطب
الكاتب: ام خالد

...............................................................................................
ربنا اغفرلي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب
 ام خالد
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

ام خالد

السادة الأعضاء
avatar






انثى

المساهمات : 993

تاريخ التسجيل : 08/09/2012

العمل. العمل. : الطب


4:مُساهمةموضوع: رد: دعوة إلى سبيل المؤمنين    الجمعة 1 نوفمبر 2013 - 6:46

وإنما أراد المثال الأقوى في تأكيد عدالته وتنفيذه أمر الله، حتى لو كان السارق من له مقام كالزهراء، لو قدر لذلك أن يحدث.

ونحن لا نفهم - بل يجب أن لا نفهم - من غضب النبي (صلى الله عليه وآله) لغضب الزهراء إلا لأنها وقفت على عرصات العلم اليقيني الذي تنكشف به حقائق الأمور حسنها وقبحها. وعلم كهذا لا يقوم بنفس خالطها ولو يسير من القبح أيا كان ذلك، لأن العلم اليقيني هذا كله حسن. ولما قام بنفس الزهراء فيجب أن تحفظ السنخية والانسجام بين نفسها وعلمها هذا. بل إن هذا العلم ونفس الزهراء شئ واحد بالذات، فلا يحتاج إلى التأكيد والكلام عن السنخية والمشابهة، لأن هاتين تطلبان بين اثنين، ولا اثنينية بين الزهراء وعلمها إلا ذهنا.
فالاتحاد بين هذا العلم - الذي كله خير - ونفس الزهراء (عليها السلام) لا نفهم منه إلا ذلك التطهير وتلك التزكية، كما هو واضح. فالرسول إذا على يقين من أن الزهراء في تناء عن الباطل وفي انسجام مع الحق، ولذا لم يكن يخشى منها على الناس بأن تغضب عليهم بلا وجه حق. ولهذا لما كان من بين الناس - من يتنكر لهذا المقام الفاطمي ولا يتورع عن ظلمها وإغضابها، قرن غضبها بغضبه، بل قال لها: " إن الله يغضب لغضبك، ويرضى لرضاك ".
وبهذا تتضح لنا عصمة البتول (عليها السلام) بصورة جلية.
فما دام غضب الزهراء (عليها السلام) هو غضب النبي (صلى الله عليه وآله)، ورضاها هو رضاه (صلى الله عليه وآله)، فلا ريب أن يغضب الله لغضبها ويرضى لرضاها، إذ لا يمكن أن يرى الله نبيه غاضبا ولا يغضب، أو يراه راضيا فلا يرضى.

ماذا كان بينها وبين أبي بكر وعمر؟
ونأتي بعد هذا ونسأل: ماذا كان بينها وبين أبي بكر وعمر في مسألة ميراثها من أبيها محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟!
يروي البخاري عن عائشة أم المؤمنين: " أن فاطمة بنت النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم مما أفاء الله الصفحة 81 عليه بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر، فقال أبو بكر: إن رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم قال: لا نورث، ما تركناه صدقة... إلى قولها: فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة (عليها السلام) منها شيئا، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك فهجرته، فلم تكلمه حت توفيت، وعاشت بعد النبي (صلى الله عليه وآله) ستة أشهر، فلما توفيت دفنها زوجها علي ليلا، ولم يؤذن بها أبا بكر، وصلى عليها (عليها السلام) " (1).
ويروي البخاري أيضا: "... فغضبت فاطمة بنت رسول الله (ص)، فهجرت أبا بكر، فلم تزل مهاجرته حتى توفيت، وعاشت بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ستة أشهر. قالت عائشة: فكانت فاطمة تسأل أبا بكر نصيبها مما ترك رسول الله (صلى الله عليه وآله) من خيبر وفدك وصدقته بالمدينة، فأبى أبو بكر عليها ذلك " (2).
وفدك هذه مما أفاء الله به على رسوله (صلى الله عليه وآله)، وهو ملك خاص له إذ لم يوجف المسلمون عليها بخيل ولا ركاب (3)، فصالح اليهود النبي (صلى الله عليه وآله) على نصفها يوم فتح حصون خيبر.
وروي أن عمر بن الخطاب قال للنبي (صلى الله عليه وآله) بعد ما أفاء الله عليه من خيبر: " ألا تخمس ما أصبت - أي تأخذ الخمس منه وتقسم الباقي على المسلمين - فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا أجعل شيئا جعله الله لي دون المسلمين، يقول: ما أفاء الله على رسوله " (4).
يتضح من هذا جليا أن ما أفاء الله به على رسوله من فدك وغيرها خالص لرسول الله (صلى الله عليه وآله) ولآل بيته الكرام. ولما طالبه ابن الخطاب بأخذ الخمس منه وتقسيم ما يتبقى بين المسلمين، لم يقبل النبي (صلى الله عليه وآله) ذلك منه وخص به نفسه، كما خصه به الله تعالى، ولم يشرك معه أحدا من المسلمين فيه.
فانظر إلى قوله (صلى الله عليه وآله): " لا أجعل شيئا جعله الله لي دون المسلمين "، فإذا كان النبي (صلى الله عليه وآله) لم يقبل بإعطاء أحد من المسلمين شيئا من فدك واحتفظ بها لنفسه ولأهله وهو
____________
(1) صحيح البخاري 5: 139 - طبعة 1314 هـ‍ مصر.
(2) صحيح البخاري: كتاب الخمس - باب فرض الخمس، وصحيح مسلم: كتاب الجهاد.
(3) فتوح البلدان للبلاذري 1: 41، كتاب السقيفة ص 97، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 16: 110.
(4) المغازي للواقدي 1: 377 - 378. (5) الكامل في التاريخ 2: 174، تاريخ الطبري 2: 226. الصفحة 82 حي من بينهم، فكيف يحرمهم منها بعد وفاته وغيابه عنهم؟! فهل كان النبي (صلى الله عليه وآله) يرى أن أهل بيته أحوج إلى فدك في حياته منها بعد وفاته؟! أيعقل هذا يا أولي الألباب؟!
فمن حيث إن فدكا وغيرها كانت خالصة لرسول الله (صلى الله عليه وآله) ولأهل بيته، فقد صارت بذلك ميراثا للزهراء وعلي وابنيهما (عليهم السلام).
ومن حيث إن عليا (عليه السلام) وابن عباس وأبا سعيد الخدري رضي الله عنهم، رووا: " أنه لما نزل قوله تعالى: (وآت ذا القربى حقه) دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) فاطمة فأعطاها فدكا " (1)، فمن حيث ذلك يكون النبي (صلى الله عليه وآله) قد نحل الزهراء (عليها السلام) فدكا، وصارت ملكا لها في حياته (صلى الله عليه وآله).
فأما من حيث الميراث فقد رد قولها أبو بكر بقوله: إن رسول الله قال: لا نورث، ما تركناه صدقة!
وأما من حيث إنها كانت نحلة لها (عليها السلام) فقد طالبها أبو بكر بالشهود، فشهد لها علي (عليه السلام) وأم أيمن، وقيل جاءت برباح - مولى رسول الله - وأم أيمن (2)، فلم يقبل دعواها لعدم اكتمال الشهود، كما يقول ابن حجر الهيثمي: " ودعوى فاطمة أنه صلى الله عليه وآله نحلها فدكا لم تأت عليها إلا بعلي وأم أيمن، فلم يكمل نصاب البينة " (3).
فالزهراء (عليها السلام) لم تكن ترى أبا بكر وعمر إلا ظالمين قد حرماها من إرث أبيها بلا وجه حق، أو منعاها نحلتها منه. لذا لم تكن ترى ما رواه أبو بكر عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) بصواب ولا بحق. ولهذا تصدت لهذا الظلم، وخاطبت أبا بكر على ملأ من المهاجرين والأنصار.
يروي أبو بكر الجواهري: " لما بلغ فاطمة إجماع أبي بكر على منعها فدكا، لاثت خمارها على رأسها، واشتملت جلبابها، وأقبلت في لمة من حفدتها ونساء قومها تطأ
____________
(1) شواهد التنزيل للحسكاني 1: 388، الدر المنثور للسيوطي 5: 273 - 274، ينابيع المودة 119.
(2) طبقات ابن سعد 2: 316.
(3) الصواعق المحرقة لابن حجر الهيثمي ص 21 - الشبهة رقم 7. الصفحة 83 ذيولها، ما تخرم مشيتها مشية النبي (ص)، حتى دخلت على أبي بكر وهو في حشد من المهاجرين والأنصار وغيرهم، فنيطت دونها ملاءة، ثم أنت أنة أجهش لها القوم بالبكاء وارتج المجلس، ثم أمهلت هنيهة حتى إذا سكن نشيج القوم وهدأت فورتهم، افتتحت كلامها بحمد الله عز وجل والثناء عليه والصلاة على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم قالت:
" أنا فاطمة! ابنة محمد، أقول عودا على بدء، (لقد جاءكم سول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم)، فإن تعدوه تجدوه أبي دون آبائكم وأخا ابن عمي دون رجالكم... ثم أنتم الآن تزعمون أن لا إرث لنا!! (أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون)؟! يا ابن أبي قحافة! ترث أباك ولا أرث أبي؟ لقد جئت شيئا فريا، فدونكها مخطومة مرحولة تلقاك يوم حشرك، فنعم الحكم الله، والزعيم محمد (ص)، والموعد يوم القيامة، وعند الساعة يخسر المبطلون "، وعج المكان ببكاء الناس.
ثم خاطبت الأنصار فقالت: " إيها بني قيلة، اهتضم تراث أبي وأنتم بمرأى ومسمع، تبلغكم الدعوة ويشملكم الصوت، وفيكم العدة والعدد، ولكم الدار والجنن، وأنتم نخبة الله التي انتخب، وخيرته التي اختار. باديتم العرب، وبادهتم الأمور، وكافحتم البهم، حتى دارت بكم رحى الإسلام، ودر حلبه وخبت نيران الحرب، وسكنت فورة الشرك، وهدأت دعوة الهرج، واستوثق نظام الدين، أفتأخرتم بعد الإقدام؟! ونكصتم بعد الشدة؟! وجبنتم بعد الشجاعة عن قوم نقضوا إيمانهم من بعد عهدهم، وطعنوا في دينكم (فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون)... ألا قد قلت لكم ما قلت على معرفة مني بالخذلة التي خامرتكم، وخور القناة وضعف اليقين، فدونكموها فاحتووها مدبرة الظهر، ناقبة الخف، باقية العار، موسومة الشعار، موصولة بنار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة، فبعين الله ما تعملون، ( وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) " (1).
ثم قالت فيما خاطب به أبا بكر وأصحابه: " أفعلى عند تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم، إذ يقول الله تبارك وتعالى: (وورث سليمان داود)، وقال عز وجل فيما قص من خبر يحيى بن زكريا: (رب هب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب)، وقال عز ذكره:

____________
(1) كتاب السقيفة لأبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجواهري: ص 99 - 100. الصفحة 84 (وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله)، وقال: (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين)، وقال: (إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين). وزعمتم أن لا حق ولا إرث لي من أبي ولا رحم بيننا! أفخصكم الله بآية أخرج نبيه (ص) منها، أو تقولون: أهل ملتين لا يتوارثون؟! أولست أنا وأبي من أهل ملة واحدة؟! لعلكم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من النبي (ص) (أفحكم الجاهلية يبغون) " (1)؟
فمن الواضح أن الزهراء (عليها السلام) كانت شديدة على أبي بكر وقومه في مسألة ميراثها من أبيها، فاضطرها ذلك لأن تخرج وتخاطبه أمام الناس داحضة ما ادعى سماعه من النبي (صلى الله عليه وآله) في عدم توريثه، وأن ما تركه صدقة، فاحتجت الزهراء (عليها السلام) عليه بآيات التوريث، وأشارت إلى عموم حكم الوراثة.
وفي قولها: " لعلكم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من النبي (صلى الله عليه وآله) " إشارة إلى أنه لو كان ثمة شئ لما خفي على النبي (صلى الله عليه وآله) حتى يعلموه هم دونه. ولما كان النبي (صلى الله عليه وآله) أعلم بهذا الأمر منهم فهي تعلم ذلك أيضا، إذ أنها مسألة لا يمكن أن تجهلها الزهراء ويعلمها أبو بكر وحده، فهي وارثة علم أبيها، كما شهد به أبو بكر نفسه.
وأبو بكر يعلم يقينا قدر زهراء (عليها السلام) وبعدها عن الكذب وادعاء الباطل، ذلك لأنه سمع مرارا قول النبي (صلى الله عليه وآله): " فاطمة بضعة مني، يغضبني ما يغضبها "، لأن هذا الغضب لا يمكن أن يكون بلا وجه حق، وإلا لكان النبي (صلى الله عليه وآله) قاسيا على الناس وأبي بكر بفرض إرضاء الزهراء رغم ظلمها للناس بالغضب عليهم بلا أساس. فأبو بكر يعلم هذا، ولذا كان عليه أن يجعل غضبها دليلا على خطئه وبعده عن الحق في مسألة ميراث هذه، وأن يجعل رضاها عنه عنوانا على صحة وسلامة منهجه وتصرفه في مسألة ميراثها، لأنه لو قدر لأبي بكر أن يحكم بهذا في حياة النبي (صلى الله عليه وآله) لغضب عليه ومنعه، لأن الزهراء كانت ستغضب غضبها ذاك، وهذا مما يغضب النبي (صلى الله عليه وآله) كما عرفنا.
وإذا صححنا لأبي بكر حكمه في ميراث الزهراء ومنعها إياه، فعلينا أن نحكم بأن النبي (صلى الله عليه وآله) قد ترك لبنته زمام الغضب تسوقه متى شاءت على من شاءت من الناس،
____________
(1) بلاغات النساء لابن طيفور ص 16 - 17. الصفحة 85 بالباطل وبلا حق يؤيدها. فالرسول (صلى الله عليه وآله) ما قرن غضبه بغضبها، ورضاه برضاها إلا لأنها صادقة حين ترضى ومحقة حين تغضب على الدوام.. فكيف ابتعدت أفهام أبي بكر عن ذلك وغمرته الغفلة عن هذا؟!
إن الزهراء ما كانت تحتاج في مطالبتها بإرث أبيها إلى الخروج أمام المهاجرين والأنصار وتخاطبهم باللهجة التي قرأت لولا ثقل الظلم الذي كانت تنوء به هي نفسها، ولولا يقينها الذي لا يشوبه الظن بخطأ أبي بكر في هذا الأمر، سواء أكان ذلك الحكم أن ليس للرسول (صلى الله عليه وآله) إرث لبنته، أو رده ادعاءها بأن أباها (صلى الله عليه وآله) قد نحلها فدكا. وأعجب من ذلك رده شهادة رجل ما جرى الكذب على لسانه يوما منذ نعومة أظافره، رجل شهد له الله تعالى بالإيمان والاستقامة والصلاح.. فعن علي (عليه السلام)، قال: " جاء النبي أناس من قريش فقالوا: يا محمد، إنا جيرانك وحلفاؤك، وإن أناسا من عبيدنا قد أتوك ليس بهم رغبة في الدين ولا رغبة في الفقه، إنما فروا من ضياعنا وأموالنا، فارددهم إلينا، فقال لأبي بكر: ما تقول؟
قال: صدقوا، إنهم جيرانك.. قال: فتغير وجه النبي (ص)، ثم قال لعمر: ما تقول؟
قال: صدقوا، إنهم لجيرانك وحلفاؤك.. فتغير وجه النبي (ص)...
فقال: يا معشر قريش، ليبعثن الله عليكم رجلا قد امتحن الله قبله بالإيمان، فيضربكم على الدين.
فقال أبو بكر: أنا يا رسول الله؟
قال: لا.
قال عمر: أنا يا رسول الله؟
قال: لا، ولكنه الذي يخصف النعل.. وكان قد أعطى عليا نعله يخصفها " (1).
فلقد كان هذا كافيا لأبي بكر بأن يقبل شهادة الإمام علي، ويحكم لصالح الزهراء، ويقبل ادعاءها بلا أدنى شك.
لقد كانت لخزيمة بن ثابت شهادة عدلين لصدقه، فهل كان خزيمة أصدق من
____________
(1) مسند أحمد بن حنبل 1: 155، كنز العمال 6: 396. الصفحة 86 علي (عليه السلام)؟! فعلي ولي كل مؤمن ومؤمنة بعد النبي (صلى الله عليه وآله)، بما فيهم أبو بكر وعمر وخزيمة ذو الشهادتين، فيكف وجد أبو بكر سبيلا لرد شهادته وقد سمع نص امتحان الله قلبه بالإيمان من فم النبي (صلى الله عليه وآله)؟! فكان لأبي بكر أن ينحو منحى النبي (صلى الله عليه وآله) من أجل ذرية وبضعة النبي (صلى الله عليه وآله)، فيعد ادعاء الزهراء وحدها دليلا على صدقها وأحقيتها فيما ادعته، تبرئة لها من الكذب، ولطهارتها من الرجس التي أكدها القرآن الكريم. أو كان لأبي بكر أن ينتهج نهج النبي (صلى الله عليه وآله) من أجل النبي (صلى الله عليه وآله) في أخيه وأبي ولده الذي يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، فيعده من أهل الشهادتين، وينزله مقام خزيمة على أقل التقادير. غير أن معاوية ابن أبي سفيان قد اقتطع ثلث فدك هره لمروان بن الحكم، واستحقها مروان دون ادعاء ميراثها أو نحلتها! فإذا حرمت الزهراء فدكا لأنها مال المسلمين، فقد صارت إرثا من مروان لابنه عبد العزيز، ذلك أن مروان قد اقتطعها لابنه هذا من بعده (1).
على أن أبا بكر لم يراع قانون حفظ أموال المسلمين كما راعى ذلك في مسألة فدك، فقد كانت أموال المسلمين توهب لكل من هبت من نواحيه عواصف الخطر على الخلافة!
يقول الطبري: " كان النبي (صلى الله عليه وآله) قد بعث أبا سفيان ساعيا [ على أموال اليمن ] فرجع من سعايته، وقد مات النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم، فلقيه قوم فسألهم، فقالوا: مات رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم.
فقال: من ولي بعده؟
قيل: أبو بكر...
فلما قدم المدينة، قال: إني لأرى عجاجة لا يطفئها إلا الدم... فكلم عمر أبا بكر فقال: إن أبا سفيان قدم، وإنا لا نأمن شره، فدفع له ما في يده، فتركه ورضي " (2).
فهكذا اتقى أبو بكر وعمر شر أبي سفيان، وأطفئت عجاجته بما كان في يده من أموال المسلمين التي جمعها ساعيا بأمر النبي (صلى الله عليه وآله)!
أما الزهراء فلا تأخذ من الإرث حقها، ولا بادعائها وشهادة أمير المؤمنين ولا تنال
____________
(1) كتاب السقيفة لأبي بكر الجواهري ص 137 الملحقات.
(2) تاريخ الطبري 3: 202، الكامل لابن الأثير 2: 215. الصفحة 87 نحلتها من أبيها!
غير أن أبا بكر لما كان مستيقنا من أنه لا بد أن يكون للزهراء إرث من أبيها بأي حال من الأحوال، قال لها: إنه سمع رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: " إنا معشر الأنبياء لا نورث ذهبا ولا فضة ولا أرضا ولا عقارا ولا دارا، ولكنا نورث الإيمان والحكمة والعلم والسنة " (1).
ولعمري، لقد أراد أبو بكر أن يرد ادعاء الزهراء وينفي إرثها من أبيها، ولكنه أثبت لها ذلك من حيث لا يشعر، فإنه بغض النظر عن الذهب والفضة والأرض والعقار والدار، قد أثبت للزهراء إرث الإيمان والحكمة والعلم والسنة من أبيها!! إذا، فهي قد ورثت من أبيها الأرض أيضا، ذلك لأنها ورثت الإيمان من أبيها فلا سبيل للكذب وادعاء الباطل إليها، إذ أن هذا الإيمان يعصمها بلا ريب من ادعاء شئ ليس لها فيه حق، وإن ادعت شيئا فادعاؤها حق لا شبهة فيه.
وإذا كانت قد ورثت العلم والسنة فالزهراء (عليها السلام) إذا هي أعلم بالسنة من أبي بكر، ولا يجوز - مع وراثتها السنة من أبيها - أن تجهل حديثا يعلم به أبو بكر دونها ودون ابن عمها، وأبو بكر ليس بوارث شيئا من علم وسنة النبي (صلى الله عليه وآله). والحديث الذي رواه يمنع به إرث الزهراء حديث انفرد به هو دون والصحابة، فكيف جهلت الزهراء هذا الحديث وهي وارثة السنة؟! فهذا أمر لا يستقيم له عود، لذا فمعارضتها تبطل الحديث.
ومن المعلوم أن حديث أبي بكر هذا من أخبار الآحاد، وحتى إذا لم يعارضه في مفاد هذا الحديث أحد، فهو لا يفيد إلا الظن بصدقه هذا مع عدم المعارضة، فكيف الحال إذا تمت المعارضة، ولا سيما إذا تمت من الزهراء (عليها السلام) وأمثالها من بين النبوة؟! إذا فالحديث يتنزل حتى من درجة إفادة الظن في الصدق، بعد المعارضة، إلى أسفل الدرجات، وتبطل به الحجة.
يقول صاحب فواتح الرحموت عن الذي يحدث بخبر الواحد: " إذا أخبر بحضرة خلق كثير فأمسكوا عن تكذيبه، يفيد ظن صدقه " (2)، ولكن قد كذبته الزهراء وأمير
____________
(1) أنظر: كتاب السقيفة لابن أبي بكر الجواهري ص 101.
(2) كتاب فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت للعلامة عبد العلي بن نظام الدين الأنصاري 2: 125 - الأصل الثاني - الصفحة 88 المؤمنين (عليه السلام)، إذا فالظن بالصدق لا يستفاد من مفاد الحديث، ويسقط بالتالي عن الاعتبار.
إن أبا بكر، لا يستطيع بهذا الحديث الذي انفرد بروايته وحده أن يمنع الزهراء إرثها من أبيها رسول الله (صلى الله عليه وآله). كما أنه لا يستطيع أن يبطل ادعاءها بأن أباها قد نحلها فدكا، ذلك لأنه لا يمكن أن يدعي أن الزهراء قد طلبت ما ليس لها بحق لها جهلا منها أو كذبا، و حاشاها. إذا أنه بنفسه قد أثبت لها أنها ورثت من أبيها الإيمان والعلم والحكمة والسنة، فلا جهل مع العلم والحكمة والسنة، ولا كذب مع الإيمان الموروث. كما أنها لا سبيل إلى إبطال شهادة الإمام علي (عليه السلام)، لأنه يعرف مقامه جيدا، وقد سمع النبي (صلى الله عليه وآله) يقول لعلي (عليه السلام) كرات ومرات: " أنت ولي كل مؤمن بعدي " (1).
وعلى هذا، فأبو بكر من موالي أمير المؤمنين كما هو واضح، وذلك لعموم الحديث، فلا يمكن أن يطوف بذهن الصديق أن الإمام عليا (عليه السلام) قد أخذته الحمية وجاء يشهد لزوجته شهادة زور وقد بلغ الإمام هذا المقام الولائي الذي يأتي بعد مرتبة النبي (صلى الله عليه وآله) بلا فصل، فأبو بكر يعلم كل ذلك ولم تخف في ذلك عليه خافية. ولكن المسألة لها اتجاه آخر، فالأمر لم يكن فصلا في قضية حكم فيها أبو بكر بما صدر من النبي (صلى الله عليه وآله) ومنع على أثرها الزهراء من أن ترث أباها، وإنما كان هذا ظاهر القضية لا غير.
في الواقع إن أبا بكر ومن تصافق معه قد استكثروا ما تركه النبي (صلى الله عليه وآله) على الزهراء وزوجها وابنيهما (عليهم السلام). وقد كان أبو بكر يرى نفسه أولى من غيره بالنبي (صلى الله عليه وآله) فيكف لا تكون فدك في يده هو، لا سيما وأنه قد تسلم زمام الخلافة؟! فاعتبار نفسه بأنه من عشيرة النبي (صلى الله عليه وآله) من ناحية، والحاجة إلى تقوية موقفه السياسي من حيث الجانب المالي من ناحية أخرى.. كل ذلك جعله لا يرى سببا يجعل كل فدك في يد علي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام)، لا سيما وأن هؤلاء الأربعة يمثلون خطرا سياسيا له، وأنه بأخذ فدك منهم، وضرب الحصار السياسي عليهم بعد الإضعاف المالي، سيأمن على خلافته
____________
(1) السنة - طبعة بغداد 1970، بهامش كتاب المستصفى للغزالي.
(1) مسند أحمد بن حنبل 1: 331، والحديث المذكور من الخصائص التي يرويها سعد بن أبي وقاص. الصفحة 89 منهم.
وبنفس المنطق الذي استولى به أبو بكر على الخلافة وجرد منها الأنصار استولى على فدك، إلى جانب منطق الحاجة السياسية والاقتصادية إلى مصدر مالي يجعله يقوم بأعمال شتى لتقوية دولته وحماية حكومته، فكان هذا المصدر المالي في ذلك الوقت هو فدك.
ففي سقيفة بني ساعدة خاطب أبو بكر الأنصار قائلا: "... وخص المهاجرين الأولين من قومه بتصديقه [ وفي ذلك إشارة إلى نفسه ]، فهم أول من عبد الله في الأرض، وهم أولياؤه وعترته وأحق الناس بالأمر بعده، ولا ينازعهم فيه إلا ظالم ".
إذا، فما دام أبو بكر يرى أنه من أولياء النبي (صلى الله عليه وآله) وعترته، وهم بالتالي أحق الناس بالخلافة من بعده.. فكيف لا يكون هو أحق الناس بفدك وغير فدك؟! وما دام أنه يرى أحقيته في الخلافة، فلا بد أن يدعم هذا الحق بما تركه النبي (صلى الله عليه وآله) باعتباره خليفته من بعده، كما يرى، ولهذا كان لا بد من الاستيلاء على فدك هذه.
أما أبو حفص، فلم يكن يرى خلاف ما كان يراه أبو بكر، فهما في الأمر سيان، وقد تصافقا عليه وتوحدا، يقول ابن الخطاب مخاطبا الأنصار: " هيهات، لا يجتمع سيفان في غمد، من ذا يخاصمنا في سلطان محمد وميراثه ونحن أولياؤه وعشيرته إلا مدل بباطل أو متجانف لإثم أو متورط في هلكة؟! "
وبهذا يرفع أبو حفص النقاب، ويبدي سبب الاستيلاء على فدك جليا واضحا..
فانظر إلى قوله: " من ذا يخاصمنا في ميراث محمد وسلطانه "، فعمر كان يرى أنه هو و أبو بكر ورثة النبي (صلى الله عليه وآله)، لماذا؟ لأنهما أولياؤه وعشيرته!
وإذا كان من حق أبي بكر وعمر أن يرثا الخلافة بعد النبي (صلى الله عليه وآله)، فكيف لا يكون من حقهما أن يرثا إرثهما في فدك وغيرها؟! وبعد حصول إرث الخلافة، فماذا يمنع من حصول إرث كل شئ آخر، لا سيما إذا كان مربوطا بالخلافة سياسيا واقتصاديا؟!
يقول عمر بن الخطاب: " لما قبض النبي (ص) جئت أنا وأبو بكر إلى علي، فقلنا: ما تقول فيما ترك رسول الله (ص)؟
الصفحة 90 قال: نحن أحق الناس برسول الله (ص).
قال [ عمر ]: قلت: والذي بخيبر؟
قال [ علي ]: والذي بخيبر.
قلت: والذي بفدك؟
قال: والذي بفدك.
قلت: أما والله حتى تحزوا رقابنا بالمناشير، فلا " (1).
فهذا الحوار الذي دار بين عمر والإمام علي (عليه السلام) يؤكد ما ذهبنا إليه من استكثار القوم فدكا على أهل البيت، وإحساسهم بحقهم في إرث النبي (صلى الله عليه وآله). فلما لم يكن في استطاعة أبي بكر وعمر إنكار حق الإمام وأهل بيته في إرث النبي (صلى الله عليه وآله)، اضطرهما ذلك إلى التفكير بالتسوية واقتسام ما ترك النبي (صلى الله عليه وآله) وإلا فليس هناك تفسير غير ذلك لهذا الحوار. فما معنى أن يعودا مرة أخرى ويسألا الإمام عليا عن فدك وخيبر؟! فأبو بكر أصدر حكمه برد ادعاء الزهراء منح النبي (صلى الله عليه وآله) إياها فدكا، وأكد عدم توريث النبي (صلى الله عليه وآله) وأن ما تركه صدقة ليس لبنته حق في إرثه، فماذا بعد الحكم القضائي وعدم اكتمال البينة - كما يدعي القوم - وبعد إثبات أن ما تركه النبي (صلى الله عليه وآله) هو حق للمسلمين كافة؟!
وأما إن كان هذا الحوار هو أول كلام في أمر فدك وخيبر، فلا يجوز لأبي بكر وعمر أن يأتيا إلى الإمام علي يسألانه رأيه في ما ترك النبي (صلى الله عليه وآله)، لو كان النبي (صلى الله عليه وآله) قد قال حقا:
" لا نورث، ما تركناه صدقة "، لأن هذا الحديث لا يتيح مجالا لأبي بكر وعمر ليساوما في أمر أصدر النبي (صلى الله عليه وآله) قوله فيه وبين حكمه، فالنبي (صلى الله عليه وآله) لا يورث ما تركه صدقة للمسلمين، فما معنى محاورة الإمام علي (عليه السلام) وهو لا يملك شيئا من النبي (صلى الله عليه وآله)، بل ليس له شئ فيما ترك النبي (صلى الله عليه وآله) سواء كان إرثا أو صدقة؟! فلماذا يسأل عن رأيه في تركة النبي (صلى الله عليه وآله) وهو غير وارث له طبقا لحديث أبي بكر، ولا صدقة له فيما ترك النبي (صلى الله عليه وآله) بحكم أن أهل البيت قد حرموا الصدقة؟! (2)
____________
(1) مجمع الزوائد: باب ما تركه الرسول (ص)، نقلا عن الطبراني في الأوسط.
(2) صحيح البخاري 1: 181 - كتاب الزكاة - باب ما يذكر في الصدقة للنبي. الصفحة 91 ولما رأى عمر عدم مساومة الإمام علي (عليه السلام) في حقه الشرعي، وأنه لم يحقق ما حلما به في الاقتسام، قال له عمر - كما رأيت -: " أما والله، حتى تحزوا رقابنا بالمناشير، فلا ". فعمر لم يبن رفضه هذا على حديث من النبي (صلى الله عليه وآله)، ولم يقل أبو بكر إني سمعت النبي يقول لا نورث... إذ لم ينبس أحد منهما بهذا الحديث في ذلك الحوار، بل كان هذا الرفض مبنيا على ما كان يشعر به الشيخان من حق لهما فيما ترك النبي (صلى الله عليه وآله)، وعلى ما كان يلمسانه من الحاجة إلى مصدر مالي يدعمان به الخلافة والدولة.
ولو كان الإمام علي رضي بالاقتسام لرضيا به، كما هو واضح من مجيئهما إليه لمعرفة رأيه فيما ترك النبي (صلى الله عليه وآله)، وبهذا يثبتان له حقه، وبرفضهما تمسك الإمام بكل التركة يوضحان إحساسهما بالحق فيما ترك النبي (صلى الله عليه وآله).
إذا، فالاعتراف بحق أهل البيت وإحساسهما بالحق في ذلك أيضا يوضح نية الاقتسام من تلك الزيارة.
ولما لم يجد الشيخان من الإمام (عليه السلام) استجابة لما نوياه من اقتسام تركة النبي (صلى الله عليه وآله) ووجداه ثابت الرأي في أحقية أهل البيت في كل التركة، لم يجد بدا من الاستمرار في الاستيلاء عليها والاستئثار بها، إذ حتمت السياسة والحاجة الاقتصادية ذلك من قبل فأخذا فدكا.
يقول الإمام في خطابه لعثمان بن حنيف - واليه على البصرة -: " بلى، كانت في أيدينا فدك من كل ما أظلته السماء، فشحت عليها نفوس قوم وسخت عنها نفوس قوم آخرين، ونعم الحكم الله " (1).
ولهذا غضبت الزهراء (عليها السلام)، ولم تكلم أبا بكر حتى لحقت بأبيها وهي غاضبة عليه لما فعل.
يقول البخاري: " فغضبت فاطمة بنت رسول الله (ص)، فهجرت أبا بكر، فلم تزل مهاجرته حتى توفيت، وعاشت بعد رسول الله (ص) ستة أشهر. قالت عائشة: فكانت فاطمة تسأل أبا بكر نصيبها مما ترك رسول الله (ص) من خيبر وفدك وصدقته بالمدينة، فأبى أبو بكر
____________
(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 4: 77. الصفحة 92 عليها ذلك ".
ولكن.. هل يقف الأمر عند أعتاب غضب الزهراء (عليها السلام) وينتهي كل شئ؟
روى البخاري، كما ذكر النبهاني في " الشرف المؤبد ": أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: " فاطمة بضعة مني يغضبني ما يغضبها "، ويروى أيضا " فمن أغضبها أغضبني "... ولهذا صار أبو بكر وعمر بين أمرين أحلاهما مر، فهما يريان أهمية فدك، إذ أنها خير دعم سياسي واقتصادي للخلافة، ويريان في نفس الوقت حق الزهراء في فدك، إذ أنها ميراث النبي (صلى الله عليه وآله) الذي تركه لها، وقد استقلت لذلك غضبا وسخطا.. ولهذا حاول أبو بكر وعمر مرة أخرى إرضاء الزهراء عنهما، ولكن مع الاحتفاظ بفدك. ولتحقيق هذا الأمر قال عمر لأبي بكر: " انطلق بنا إلى فاطمة، فإنا قد أغضبناها ". وهذا يؤكد إحساسهما بثقل وخطورة غضب البتول وبضعة الرسول (صلى الله عليه وآله): " فانطلقا جميعا، فاستأذنا على فاطمة، فلم تأذن لهما، فأتيا عليا فكلماه، فأدخلهما عليها. فلما قعدا عندها حولت وجهها إلى الحائط، فسلما عليها، فلم ترد عليهما السلام، فتكلم أبو بكر فقال:... أفترين أعرف فضلك وشرفك وأمنعك حقك وميراثك من رسول الله؟! ألا إني سمعت أباك رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم يقول:
لا نورث، ما تركناه صدقة، فقالت: أرأيتكما إن حدثتكما حديثا عن رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم، تعرفانه وتعملان به؟
قالا: نعم.
فقالت: نشدتكما الله، ألم تسمعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: رضاء فاطمة من رضاي وسخط فاطمة من سخطي، فمن أحب فاطمة ابنتي فقد أحبني، ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني، من أسخط فاطمة فقد أسخطني؟
قالا: نعم، سمعناه من رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم.
قالت: فإني أشهد الله وملائكته أنكما أسخطتماني وما أرضيتماني، ولئن لقيت النبي (صلى الله عليه وآله) لأشكونكما إليه.
فقال أبو بكر: إني عائذ بالله تعالى من سخطه وسخطك يا فاطمة..
ثم انتحب أبو بكر يبكي حتى كادت نفسه تزهق وهي تقول: والله لأدعون عليك كل صلاة الصفحة 93 أصليها..
ثم خرج باكيا، فاجتمع إليه الناس، فقال لهم: يبيت كل رجل منكم يعانق حليلته، مسرورا بأهله، وتركتموني وما أنا فيه؟! لا حاجة لي في بيعتكم، أقيلوني بيعتكم " (1).
إذا، فأبو بكر يعلم أن غضب الزهراء (عليها السلام) يغضب النبي (صلى الله عليه وآله) وأن سخطها يسخطه، ويعلم براءتها من الغضب الذي لا أساس له، فقد شهد بهذا أبو بكر نفسه بإثباته أنها ورثت العلم والإيمان والحكمة والسنة من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وهذا يوضح أن غضبها لا يكون إلا بالحق، ولا يكون رضاها إلا به، ولذلك استعاذ أبو بكر بالله من غضبها قائلا:
أنا عائذ بالله تعالى من سخطه....، ثم انتحب يبكي، إحساسا منه بخطورة الموقف.
واهتزت أركان الخلافة بسبب هذا الغضب الفاطمي، وأصبحت بيعة الناس له لا تزن عنده عقال بعير، فسعى لأن يكون منها في حل لو استطاع. ولكن هيهات، فلقد أحكم عقدها في أعناق الناس، ولما لم يجد أبو بكر فكاكا منها صار في لحظات احتضاره يجتر مرارة الندم ويتعلق بحبال التمني.
فقد قال يوم وفاته: " ثلاث فعلتهن، ليتني كنت تركتهن، فليتني تركت بيت علي، وإن كان أعلن علي الحرب " (2).. وقد صاحت الزهراء يومئذ مخبرة أباها عليه السلام بما حدث لأهل بيته من بعده، فقالت: " يا أبت، يا رسول الله، ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن أبي قحافة! " (3).
فماذا لقيت الزهراء (عليها السلام) منهما يا ترى؟!!
والسؤال الذي يطرح نفسه لا محالة: كيف للزهراء الطاهرة أن تقف هذا الموقف من أبي بكر وعمر، والرسول قد قيل إنه قال: " اقتدوا باللذين من بعدي: أبو بكر وعمر "؟!
أفتراها نسيت ما ورثته من عمل وحكمة وسنة، ولما يمض على وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) إلا أيام؟!!

____________
(1) الإمامة والسياسة لابن قتيبة ج 1 عند ذكر حوادث السقيفة: أعلام النساء 4: 123 - 124.
(2) الإمامة والسياسة ج 1 - وفاة أبي بكر.
(3) تاريخ الطبري 3: 210، الإمامة والسياسة 1: 13. الصفحة 94 أم تراها مخالفة لما ورثته من سنة أبيها والدين الذي أنزل عليه، فخالفته فيما أمر به؟!!
أم هو حديث صاغته سدنة بني أمية لإثارة الغبار والضباب، لإخفاء فضائل علي (عليه السلام)، وخفضا لمقامه، ومحقا للدين؟!!
نعم، هو ذلك لعمري، حديث موضوع، يدحضه قول الصادق الأمين، مخاطبا أبا بكر وقومه: " لا أدري ما تحدثون بعدي " (1).. وما كان لأبي بكر يوم ذلك الخطاب إلا البكاء، لو يجدي البكاء!
وكان الغضب الفاطمي ذا مرارة طغت على لذة الخلافة والسلطة، فانتزعت تلك المرارة الحقيقة من أعماق الفطرة مهما كان ولكن فات الأوان. وبين سكرات الموت قال أبو بكر: " فوددت أني سألته - يعني رسول الله - لمن هذا الأمر، فكنا لا ننازعه أهله " (2) ولكن.. لات ساعة مندم.

____________
(1) الموطأ 1: 307، المغازي للواقدي 1: 310 - غزوة أحد.

(2) الإمامة والسياسة ج 1 - وفاة أبي بكر، كتاب السقيفة للجواهري 41. الصفحة 95 الباب الثاني
مواقف عمر تجاه أقوال وأفعال النبي صلى الله عليه وآله
إن المتتبع لمواقف أبي حفص تجاه أقوال وأفعال النبي صلى الله عليه وآله - سواء في حياة النبي صلى الله عليه وآله أو طيلة مدة خلافته - يجدها مواقف تنبئ عن شخصية فريدة في نوعها، تختلف تمام الاختلاف عن بقية شخصيات الصحابة، وذلك من حيث جرأة مواقفه وتصرفاته تجاه النبي المعصوم صلى الله عليه وآله!
فعمر لم يكن يرى أفعال وأقوال النبي صلى الله عليه وآله في عصمة عن المسألة والمعارضة، وكأنه لم يكن يرى التسليم لما يعرضه ويصدره النبي صلى الله عليه وآله من أوامر ونواه أمرا لازما له.
وفي حقيقة الأمر أن تلك التصرفات العمرية تشير بوضوح إلى نوع من عدم الاعتقاد بعصمة النبي صلى الله عليه وآله حتى في تبليغ الوحي، فضلا عن شؤون الحياة الأخرى، إن جاز القول بعدم عصمة النبي فيها، فعمر لم يكن يرى بأسا في مناقشة النبي صلى الله عليه وآله فيما يقول أو يفعل، بل لم يكن يرى بأسا في نهي النبي صلى الله عليه وآله عن بعض ما يقول ويفعل. كما أنه لم يكن يتردد في إحلال ما يصدره من أقوال وأفعال وآراء شخصية بل أوامره ونواهيه هو محل أقوال وأفعال وأوامر ونواهي النبي صلى الله عليه وآله. وهذه التصرفات لا تحصى في حياة عمر، الأمر الذي اضطر المعجبين به إلى اختراع تفسير لهذه الجرأة تجاه النبي صلى الله عليه وآله وتحويلها إلى محاسن ومناقب! في حين نرى شخصيات أخرى من بين الصحابة لا تقل عن عمر الصفحة 96 في شئ إن لم تفقه في كل شئ، لا ترى إلا التسليم التام والخضوع الكامل أمام أوامر ونواهي رسول الله صلى الله عليه وآله.
فالذين هم في إعجاب بشخصية أبي حفص يفسرون تلك التصرفات العمرية تجاه كلام أو فعل النبي صلى الله عليه وآله، بالاجتهاد والشجاعة في قول الحق، فوصفوا عمر بأنه لا يخشى في الحق لومة لائم! فشخصية عمر لم تكن ترضى بالانقياد، بل تسعى دوما لأن تكون على دفة القيادة ومقام الريادة.
وفي الحقيقة، إننا نتساءل عن الاجتهاد العمري هذا.. على أي أساس ابتنى؟ فإن كان قد قام على أساس العلم والإدراك لمسائل الدين، فمعنى هذا أنه يفترض تفوقه العلمي على رسول الله صلى الله عليه وآله! غير أن عمر لا يمكن أن يكون أعلم الصحابة، فضلا أن يترجح علما على النبي صلى الله عليه وآله.
وإن كانت جرأته هذه قد ابتنت على غيرة اتصف بها أبو حفص على الدين، فلا يمكن أن نقبل أن غيرته على الدين قد فاقت ما لكثير من الصحابة من غيرة على الإسلام، فضلا عن الغيرة التي كان يتمتع بها النبي الكريم على دين الله فهذا أساس لا يجيز لعمر أن يقيم عليه اجتهادا قبال ما يصدر من النبي صلى الله عليه وآله، أو يقيم عليه تصرفا يخرجه من دائرة التسليم للوحي. ونحن لا يمكن أن نجد قولا أو فعلا أو تقريرا لشخص يضاهي ما للرسول صلى الله عليه وآله من ذلك كله، فلو كان المعصوم من الناس لا يسعه - على رغم عصمته - إلا التسليم لما جاء به الوحي، وليس له بعصمته هذه مجوز لمخالفة ما أثبته الوحي الإلهي.. فكيف بعمر الذي قضى ردحا من الزمان يسجد للأحجار؟! إن العصمة لا تضمن لصاحبها إلا صحة الاتباع والاقتداء بالوحي، ولم يكن النبي صلى الله عليه وآله إلا مأمورا بأن يبلغ ويفعل ما يؤمر به. فإن كان لا يجوز للنبي صلى الله عليه وآله الاجتهاد في مقابل الوحي - وهو المعصوم - فبأي شئ ومن أي طريق جاز ذلك لعمر بن الخطاب؟!!
وإذا فرض علينا المعجبون بعمر اجتهاداته ضد النصوص النبوية بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله فلا يستطيعون أن يفرضوا علينا اجتهاداته ضد أقوال وأفعال النبي صلى الله عليه وآله والنبي على قيد الحياة. ثم إنهم كثيرا ما يصورون لنا أن النبي صلى الله عليه وآله كان يقر عمر على رأيه الذي خالف الصفحة 97 وعارض به أمر النبي صلى الله عليه وآله! فوصفوه بأنه صاحب إلهام من الله جنبا إلى جانب الوحي!
إن الاجتهاد ضد النص لا يجوز أبدا، إذ أنه لا يعني إلا إحلال الرأي البشري محل الوحي الإلهي، ولا معنى له سوى ذلك.. فلو كان الإسلام صالحا لكل زمان ومكان، فالاجتهاد ضد النص هو إبطال لتلك الصلاحية الشاملة لكل الأمكنة والأزمنة، ويكون قول الله تعالى: (ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) (1) مخصوصا ومحصورا بمكان وزمان نزول الآية هذه، علما أن ابن الخطاب لم يعمل بهذا حتى في زمان ومكان نزول هذه الآية.
إن الاجتهاد ضد النص الإلهي لا يعني إلا نسخ الوحي بالرأي البشري المخالف له، وهذا في حقيقة الأمر إلغاء تام للنص الإلهي. على أن نسخ القرآن بالسنة أمر لا يجوز، فالسنة مبينة ومفسرة ليس إلا.. فكيف إذا بكلام ورأي ابن الخطاب ومن ينحو نحوه؟!
على أن الوحي لما كان عالما بوجود هذا الصنف من الناس، تشدد في النهي عن مخالفة نبي الإسلام المعصوم، ووصفها بالمعصية والضلال، فقال: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا) (2)..
فهل لعمر بعد هذا سبيل إلى معارضة أو مخالفة كلمة من كلام النبي صلى الله عليه وآله؟! وإذا اجتهد ضد هذه الآية الواضحة الصريحة.. فهل يوصف اجتهاده هذا بشئ غير المعصية والضلال المبين؟!
نعم، لقد كان لأبي حفص تلك المواقف والمعارضات تجاه نبي الإسلام. وإليك أمثلة تؤكد ما ذكرناه:

____________
(1) الحشر: 7.
(2) الأحزاب: 36.

الصفحة 98 عمر وصلح الحديبية
لما وافق النبي صلى الله عليه وآله على شروط صلح الحديبية، وأمر عليا عليه السلام بكتابة الصلح، تصدر أبو حفص فئة المعارضين للصلح، وتشدد على النبي صلى الله عليه وآله، فخرج بخطابه للنبي صلى الله عليه وآله على أية حال عن أمر التسليم لأمر النبي الكريم ولما رضي به صلى الله عليه وآله. ولندع ابن الخطاب يحكي لنا بنفسه ما دار بينه وبين النبي صلى الله عليه وآله يوم ذلك الصلح:
يقول ابن الخطاب: فقلت: ألست نبي الله حقا؟!
قال [ صلى الله عليه وآله ]: بلى.
قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟!
قال [ صلى الله عليه وآله ]: بلى.
قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذا؟!
قال صلى الله عليه [ وآله ] وسلم: إني رسول الله، ولست أعصيه، وهو ناصري.
(قال) [ عمر ]: أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟!
قال [ صلى الله عليه وآله ]: بلى، أفأخبرتك أنا نأتيه العام؟!
قلت: لا.
قال [ صلى الله عليه وآله ]: فإنك آتيه ومطوف به.
قال [ عمر ]: فأتيت أبا بكر، فقلت: يا أبا بكر، أليس هذا نبي الله حقا؟
قال [ أبو بكر ]: بلى.
قلت: ألسنا على الحق، وعدونا على الباطل؟
قال [ أبو بكر ]: بلى.
قلت: فلم نعطى الدنية في ديننا إذا؟
قال [ أبو بكر ]: أيها الرجل، إنه لرسول الله، وليس يعصي ربه، وهو ناصره، فاستمسك بغرزه، فوالله إنه على الحق.
(قال) [ عمر ]: فقلت: أليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟!
قال [ أبو بكر ]: بلى، أفأخبرك أنك آتيه العام؟
الصفحة 99 (قال) [ عمر ]: قلت: لا.
قال [ أبو بكر ]: فإنك آتيه ومطوف به.
قال عمر: فعملت لذلك أعمالا.
قال [ عمر ]: فلما فرغ رسول الله [ من الكتاب ] قال [ صلى الله عليه وآله ] لأصحابه: " قوموا فانحروا ثم احلقوا.
(قال) [ عمر ]: فوالله ما قام منهم رجل، حتى قال ذلك ثلاث مرات. فلما لم يقم منهم أحد، دخل [ صلى الله عليه وآله ] خباءه، ثم خرج فلم يكلم أحدا منهم بشئ، حتى نحر بدنة بيده [ الشريفة ] ودعا حالقه فحلق رأسه، فلما رأى أصحابه ذلك، قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضا، حتى كاد بعضهم يقتل بعضا (1).
وقد ذكر الحلبي في سيرته - عند ذكر صلح الحديبية -: " أن عمر جعل يرد على رسول الله [ صلى الله عليه وآله ] الكلام، فقال له أبو عبيدة بن الجراح: ألا تسمع يا ابن الخطاب رسول الله يقول ما يقول؟ نعوذ بالله من الشيطان الرجيم ".
قال الحلبي: " وقال رسول الله [ صلى الله عليه وآله ] يومئذ: يا عمر! إني رضيت وتأبى؟! " (2).
فانظر كيف كان عمر بن الخطاب شديدا على رسول الله صلى الله عليه وآله، ولم يجد من نفسه استطاعة لأن يخضع لأمر الله ويرضى بما رضي به نبي الله صلى الله عليه وآله! فأين الطاعة والتسليم المطلق الذي كان من المفترض أن يتسم به عمر تجاه ما قضى به الله ورسوله؟! أم كان عمر يظن أن له الخيرة من أمره، وأنه ليس ملزما بالتسليم لذلك الأمر تسليما لا يجد معه في نفسه حرجا نحو ما يقضي به رسول الله صلى الله عليه وآله؟!
وفي الحقيقة لم يكن عمر يثق في كلام النبي صلى الله عليه وآله، وكان يرى أن النبي صلى الله عليه وآله قال ما لم يفعل، وهذا واضح في قوله وخطابه للنبي الكريم: " أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟! " فعمر لما رأى أن النبي صلى الله عليه وآله انصرف عن الطواف بالبيت في هذا العام، ووافق - طبقا للصلح - على الرجوع دون الطواف، ظن أن ما وعدهم به النبي صلى الله عليه وآله لم
____________
(1) صحيح البخاري 2: 81 - كتاب الشروط.
(2) السيرة الحلبية 3: 19 - قصة الحديبية، السيرة الدحلانية 2: 184 (التي بهامش الحلبية).
الصفحة 100 يتحقق ولم يقع كما قال لهم النبي صلى الله عليه وآله - وهو الطواف بالبيت -! ولهذا أوقف النبي الكريم صاحب الخلق العظيم موقف المسألة والمحاسبة!!
ولما رد عليه نبي الرحمة بكلامه المقنع بقوله: " أفأخبرتك أنا نأتيه العام؟ " أجاب عمر بالنفي، ولكن لم يرض عمر، لأن ما تعلق بنفسه من ظن كان أقوى، فلم تشفع تلك الحجة القوية للنبي عند عمر! وربما كان إلهام عمر في ذلك الوقت أقوى، من الوحي، فكان يرى أشياء لم يرها النبي صلى الله عليه وآله أو يعلم ما لم يكن يعلم به النبي صلى الله عليه وآله!!.. فصوب نحو أبي بكر مؤكدا قوة ما تعلق به من ظن سئ، وإلا كان يكفيه ما قاله النبي صلى الله عليه وآله.
والحقيقة التي يعلمها كل مؤمن هي أنه ليس لعمر ولا لأي أحد من أفراد البشر وحتى من غبر من الأنبياء... ليس لهم إلا طاعة المصطفى والنبي الأكمل صلى الله عليه وآله. ولكن هذه الطاعة لا ترجى إلا ممن يأنس في نبي الإسلام الكريم عصمة لا ينفذ من خلالها الخطأ إليه..
وأما من كان بخلاف ذلك، فلا ينتظر منه طاعة. ولقد كان عمر من هذا القبيل: لم يكن يأنس في النبي صلى الله عليه وآله تلك العصمة، وإلا فلماذا المناقشة؟! ولماذا المحاسبة؟! فهل كان يناقشه ويعارضه رغم علمه بعصمته؟ ولكن هذا أسوأ، ومعرفة عصمة النبي لا تحتاج إلى كبير عناء، وقد كان يكفي عمر أن يردد قوله تعالى: (ما آتاكم الرسول فخذوه ونهاكم عنه فانتهوا) ليجد فيه العصمة بأجلى معانيها، إذ أن هذه الآية مطلقة عامة لا تختص بأمور الدين والوحي وحده، ولا هي مختصة بأمور الدنيا والمعاش فقط..
وأما صلح الحديبية فكان من صميم مسائل الدين، لو أدرك ذلك عمر.
ومن كلام ابن الخطاب العجيب أثناء محاسبته النبي صلى الله عليه وآله! قوله: " فلم نعطي الدنية في ديننا؟! ". ومفاد هذا أن الدنية في الدين - حسب فهمه - يفهمها هو دون النبي صلى الله عليه وآله، ويرفضها هو ولا يرضى بها! ولا يرفضها رسول الله ويرضى بها!! فاعجب ما شاء لك أن تعجب!
على أن قول النبي صلى الله عليه وآله " إني رسول الله، ولست أعصيه، وهو ناصري " كان - والله - كافيا لأن يثوب عمر إلى حظيرة اليقين والطمأنينة إلى عصمة النبي صلى الله عليه وآله، ولما فعله النبي

الموضوع الأصلي : دعوة إلى سبيل المؤمنين
المصدر : القانون الحديث المفقود في الطب
الكاتب: ام خالد

...............................................................................................
ربنا اغفرلي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب
 ام خالد
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

ام خالد

السادة الأعضاء
avatar






انثى

المساهمات : 993

تاريخ التسجيل : 08/09/2012

العمل. العمل. : الطب


5:مُساهمةموضوع: رد: دعوة إلى سبيل المؤمنين    الجمعة 1 نوفمبر 2013 - 6:48

الكريم في أمر ذاك الصلح، ولكن حتى هذا القول النبوي المحض أيضا لم يكن بشافع للنبي صلى الله عليه وآله عند عمر!

وظل عمر يرد عليه الكلام ردا، ولم يترك للنبي صلى الله عليه وآله حتى حق الجدل والنقاش بتقسيم فرص الكلام، حتى اضطر ذلك أبا عبيدة بن الجراح ليتدخل وينتزع من الفاروق فرصة للنبي الأكرم لكي يقول ما يقول، فخاطب أبو عبيدة عمر صارخا: " ألا تسمع يا ابن الخطاب رسول الله [ صلى الله عليه وآله ] يقول ما يقول؟ نعوذ بالله من الشيطان الرجيم ".
فانظر عزيزي القارئ إلى هذا الإلهام الذي يتعارض مع الوحي! فلو كان عمر صائبا في معارضته للنبي الكريم لأبدى النبي صلى الله عليه وآله لتلك المعارضة ارتياحا وتحسينا، ولكنه سعى بكل السبل إلى إقناع عمر وإزالة أنفته بلا جدوى. فعمر لم يكن مصيبا، وليس لأحد أن يتجرأ فيصحح لنا ما صدر منه يوم هذا الصلح.. فالذي يسعى إلى تصحيح معارضة عمر تلك، عليه - قبل ذلك - أن يتلو آية التسليم لأمر الله ورسوله، وينظر متدبرا عباراتها.. فهل يجد فيها تأييدا لابن الخطاب من قريب أو بعيد، حتى يجوز له الوقوف أمام أفعال النبي صلى الله عليه وآله كما فعل يوم صلح الحديبية؟!
على أن النبي صلى الله عليه وآله بين لنا بوضوح حقيقة معارضة ابن الخطاب، فقال له بذلك الخلق القرآني العظيم: " يا عمر! إني رضيت وتأبى؟! ".. ولعمر الله، لو كان أحد يقف أمام رؤساء هذا اليوم الموقف الذي وقفه عمر أمام الصلح الذي قبله النبي صلى الله عليه وآله، لكان نصيبه سنوات في ظلمات السجون أو قرارا يطوي حبال المشانق حول عنقه.. ولكنه النبي لا كذب، فلعمر أن يقول ما يقول، ولن يجد إلا صفحا جميلا... عليك وعلى آلك صلوات الله وسلامه يا نبي الله.
" يا عمر! إني رضيت، وتأبى؟! ".. نعم يا نبي الله لقد أبى عمر ما رضيت به، فيا لها من عبارات تذيب الصخور تسليما وخضوعا وطاعة لأشرف المخلوقات.. ولكن لم يسمع قلب عمر هذه العبارات التي تعج بالمعاني والانتقاد واللوم، ولم يرم النبي صلى الله عليه وآله منها إلا بيان مقامه النبوي المعصوم الذي نسيه أبو حفص، في لحظة من لحظات الأنفة. ولو كان عمر قادرا على أن يعي تلك العبارة لكان قد وعى التي قبلها: " إني رسول الله، ولست الصفحة 102 أعصيه، وهو ناصري "، فالرسول أراد أن يذكر الناسي عمر بثلاث حقائق: أراد أن يذكره بأنه رسول الله، إذ أنه مرسل لينجز هذا الصلح أيضا من جانب الله تعالى. وأراد أن يذكره بأنه منفذ أمر الله تعالى ولن يخالفه ولن يعصي الله في أمر ما إذ أنه معصوم من قبل الله تعالى. وأراد أن يذكره بأن الله يسمع ويرى أحوال النبي وأفعاله ويعلم أعداءه، فلن يتركه عرضة للذلة والدنية، إذ أنه ناصره في كل المواقف...
ولكن هيهات لعمر أن يخضع، وكيف يخضع ولم يكن يأنس في النبي صلى الله عليه وآله العصمة؟!
وتمادى ابن الخطاب في اعتراضه.
وفي واقع الأمر، أنها لواقعة تعقد الألسن بالدهشة، إذ أننا نرى أن المقام النبوي ليس مقاما يجوز لأحد أن ينصب أمامه القامة ويرفع أمامه الرأس معارضا في شئ.
ومن ناحية نرى المقام العمري - طبقا لما صور للناس - من أنه الصحابي العادل الذي يقول الحق ولا يخشى فيه لومة لائم، وأنه الفاروق الذي فرق بين الحق والباطل، وفوق ذلك كله أنه كان صاحب إلهام ومؤيد من ناحية الوحي، ولو في مقابل النبي صلى الله عليه وآله!
ونحن عندما نرى علو مقام النبي صلى الله عليه وآله الحقيقي وعلو المقام العمري المرسوم في الأذهان، نستسلم للدهشة والحيرة، فلا نستطيع الانتصار للنبي صلى الله عليه وآله من المقام العمري الذي توهمناه، ولا نقدر على انتقاد عمر رغم إجلالنا للمقام النبوي الرفيع، فنصبح أسرى داخل شرنقة الدهشة، ونلوذ بالصمت. وكل ذلك بسبب نظرية عدالة كافة الصحابة، وما حيك حول أبي حفص من صفات إعجازية، فالتبس علينا الأمر ونسينا أن عمر هذا وغيره من كافة الصحابة كانوا مشركين يسجدون ويطأطئون الرأس لحجر أصم ردحا من السنين، فمن الله عليهم بهذا النبي الكريم الذي وقفوا بعد ذلك أمامه معترضين عليه ومسائلين في أمورهم لا يفقهون فيها شيئا ولا يعلمون حكمتها.
إن التقليد الأعمى، وعدم إدراك المقام النبوي، هو الذي أوصل عمر وكثيرا من الصحابة إلى مقامات جعلتهم في مصاف المقام النبوي بعد أن عاشوا سنين من الشرك والإلحاد!!
نعم الإسلام يجب ما قبله. ولكنه بما يجبه من شرك وبما يفعله المسلم من إحسان الصفحة 103 بعد الإسلام لا يؤهله لأن يرتفع من مقامه ليزاحم مقام النبوة، بل لا يستطيع - وهو في مقامه هذا - أن يشاهد مقام راحات أقدام النبي صلى الله عليه وآله.
فكل ذلك ما هو إلا ضبابة ضربت حول ابن الخطاب. فعمر يكفيه من الفخر أن يسرد لنا ما أنجزه في التاريخ من فتوحات للإسلام، دون أن يصوروه لنا إنسانا يدرك ما لا يقدر على إدراكه النبي صلى الله عليه وآله، ويقول الحق ولو في مقابلة النبي الكريم، ويضرب في القبر الملائكة عندما يأتونه للسؤال..
كل ذلك عشعش وباض وأفرخ في رؤوس الناس، فجاء عمر كما يعرفه أهل السنة اليوم.
لم يكن عمر معصوما من الخطأ وهوى النفس ونزعات الشيطان. وإن الإيمان يزيد وينقص، والمقامات العليا لا تنال إلا بجهاد النفس والمراقبة الشديدة في طاعة النبي صلى الله عليه وآله.. وشأن عمر وبقية الصحابة بل وكافة الناس في ذلك سواء. والقرآن الذي تلاه عمر فوجد فيه أنه مأمور بما جاء فيه من تكاليف واتباع للنبي صلى الله عليه وآله هو نفس القرآن الذي نتلوه اليوم، وهو القرآن الذي سيتلوه من يأتي من الناس في كل عصر ومصر، فإذا لم نجد فيه ما يجوز مخالفة النبي صلى الله عليه وآله، فلنا الحق أن نسأل: كيف جاز ذلك لعمر؟
فلعمر أن يغضب لشروط الصلح التي كانت تبدو في الظاهر وكأنها دنية - كما بدت له ما دام لا يستطيع أن يدرك ما يدركه النبي الكريم، من الحكمة والمصلحة - في صلح الحديبية. له أن يغضب إذا لم يستطع أن يتجاوز ببصيرته الظاهر، ولكن لا يجوز أن يترك لغضبه زمام أمره حتى ينسيه مقام النبوة. غير أنه كان المرجو من عمر أن يكون في هذا المقام الحساس في حياة الإسلام رابط الجأش صلب العزيمة إلى جانب النبي صلى الله عليه وآله يشد من أزره لإنقاذ أمر الله، لا أن يسعى - بسبب غضبه وأنفته التي لحقته بسبب الصلح - إلى تفكيك الجبهة الداخلية التي كانت الهم الأول للنبي صلى الله عليه وآله بعد هجرته إلى المدينة.
يقول عمر عن كتابة الصلح: " فعملت لذلك أعمالا، فلما فرغ رسول الله، قال لأصحابه:
قوموا فانحروا ثم احلقوا... فوالله ما قام منهم رجل، حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل خباءه... "!
الصفحة 104 إذا، فقد آتت الأعمال التي عملها عمر ضد الصلح أكلها وأينعت ثمارها.. فها هو عمر يقسم: " فوالله ما قام منهم أحد "!
إذا، فقد تمرد الصحابة على النبي صلى الله عليه وآله، وتكافأوا ضد الصلح الذي ارتضاه، ولعل ذلك مما أوحى به إليه إلهامه العمري.
يقول الثعالبي: " إن النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم رأى في منامه، عند خروجه إلى العمرة، أنه يطوف بالبيت هو وأصحابه "
وقال مجاهد: رأى ذلك بالحديبية، فأخبر الناس بهذه الرؤية... فلما صدهم أهل مكة قال المنافقون: وأين الرؤيا؟! ووقع في نفوس بعض المسلمين شئ من ذلك، فأجابهم النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم بأن قال: وهل قلت لكم: يكون ذلك في عامنا هذا؟! " (1).
وهذا هو رد النبي لعمر - كما جاء في رواية البخاري -.
وأما ابن كثير فتراه يصرح باسم عمر عند ذكره هذه الحادثة: يقول: " فلما وقع ما وقع من قضية الصلح... وقع في نفس بعض الصحابة رضي الله عنهم من ذلك شئ، حتى سأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه في ذلك، فقال له [ أي للنبي صلى الله عليه وآله ] فيما قال: أفلم تكن تخبرنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟! قال [ صلى الله عليه وآله ]: بلى، أفأخبرتك أنك تأتيه عامك هذا؟ قال: لا. قال النبي عليه السلام: فإنك آتيه ومطوف به " (2).
أما الطبري فقد ذكر أن السائل عن الرؤيا هم أصحاب محمد، ولم يقل هم المنافقون، كما ذكر الثعالبي..
يقول الطبري: " عن مجاهد في قوله: " الرؤيا بالحق "، قال: أري بالحديبية أنه يدخل مكة وأصحابه محلقين، فقال أصحابه حين نحر بالحديبية: أين رؤيا محمد؟! " (3).
وقد أورد المراغي في تفسيره ما دار بين عمر والنبي صلى الله عليه وآله، فراجع من تفسيره سورة الفتح (4) تجد ما ذكرناه.

____________
(1) تفسير جواهر الحسان للثعالبي 4: 181 - سورة الفتح.
(2) تفسير ابن كثير 4: 201 - سورة الفتح.
(3) تفسير الطبري 26: 107 - سورة الفتح.
(4) تفسير المراغي 26: 112 - سورة الفتح.
الصفحة 105 فانظر إلى قول القائلين: " أين رؤيا محمد؟! " تجده يعج بالسخرية والاستهزاء ورغم ذلك فقد حكم بعدالة الجميع، وأنهم لا يتطرق إليهم الجرح، فيا للعجب! وسواء كان القائلون هم المنافقون أو هم أصحاب محمد، فقد تصدرهم ابن الخطاب، وتولى هو محاسبة النبي صلى الله عليه وآله ومعارضته دون الناس، إذ أنه لم يرد اسم أحد من الناس غيره قد استجوب النبي صلى الله عليه وآله.
ويقول الثعالبي: " والسكينة [ في قوله تعالى (هو الذي أنزل السكينة...) هي الطمأنينة إلى أمر رسول الله، والثقة بوعد الله، وزوال الأنفة التي لحقت عمر " (1).
إذا، فقد لحقت الأنفة عمر بعد فقدانه الطمأنينة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله والثقة بوعد الله.
لقد عارض عمر رسول الله الكريم في أمر الصلح بلا شك، ولما تم الصلح ولم يكن عمر راضيا به عمل له أعمالا في الخفاء لعله يوفق في إبطاله، فكانت نتيجة تلك الأعمال أن تمرد الصحابة على أمر النبي صلى الله عليه وآله لما أمرهم بأن ينحروا ويحلقوا، فأقسم عمر قسما تفوح منه رائحة السرور والافتخار بنتيجة ما عمل، فقال: " والله ما قام منهم أحد "!
وقد يسأل سائل: لماذا عارض عمر النبي صلى الله عليه وآله في كتابة ذلك الصلح؟ ولماذا حرض وألب الناس على مخالفة النبي صلى الله عليه وآله؟ ولماذا يفعل عمر كل هذا؟ وما هو السر من وراء تلك الأعمال؟
نعم، إنه لهو السؤال المنتظر، ولا بد له من إجابة تكشف عن حقيقة الأمر، وينحل بها اللغز العمري، ولكن الفاروق أراحنا وكفانا ركوب العناء والبحث عن إجابة لهذا السؤال..
يقول الثعلبي: " وقال عمر: ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذ! " (2)، أي يوم صلح الحديبية.
فالأمر إذا، لم يكن إلهاما بنى عليه عمر اعتراضه وتأليبه الناس على أمر النبي صلى الله عليه وآله، بل كان الأمر كما عرفت وستعرف.

____________
(1) تفسير جواهر الحسان للثعالبي 4: 180 - سورة الفتح.
(2) أنظر: تفسير الثعلبي - سورة الفتح.
الصفحة 106 ولقد روى الواقدي: "... ولقي عمر من القضية [ يعني قضية الصلح ] أمرا كبيرا، وجعل يرد على رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم الكلام، ويقول: علام نعطي الدنية في ديننا؟ فجعل رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم يقول: أنا رسول الله، ولن يضيعني! قال: فجعل [ عمر بن الخطاب ] يرد على النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم الكلام. قال [ و ] يقول أبو عبيدة بن الجراح: ألا تسمع يا ابن الخطاب رسول الله يقول ما يقول؟! تعوذ بالله من الشيطان الرجيم، واتهم رأيك!... وقال عمر: فما أصابني قط شئ مثل ذلك اليوم، ما زلت أصوم وأتصدق مما صنعت مخافة كلامي الذي تكلمت يومئذ.
فكان ابن عباس يقول: قال لي عمر في خلافته، وذكر القضية - أي قضية صلح الحديبية -: " ارتبت ارتيابا لم أرتبه منذ أسلمت إلا يومئذ. ولو وجدت ذلك اليوم شيعة - أي مؤيدين له - تخرج عنهم رغبة عن القضية لخرجت ".
وقال أبو سعيد الخدري: جلست عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوما، فذكر القضية فقال: لقد دخلني يومئذ من الشك، وراجعت النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم يومئذ مراجعة ما راجعته مثلها قط، ولقد أعتقت فيما دخلني يومئذ رقابا وصمت دهرا.
وإني لأذكر ما صنعت خاليا فيكون أكبر همي، فينبغي للعباد أن يتهموا الرأي. والله لقد دخلني يومئذ من الشك حتى قلت في نفسي: لو كان مائة رجل على مثل رأيي ما دخلنا فيه أبدا " (1).
نعم، لقد لقي عمر من القضية - وهي مما قضى به الله ورسوله - أمرا بل أمرا كبيرا، والله تعالى يقول: (إنه لقول رسول كريم * ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين.
وما صاحبكم بمجنون) (2). ولكن دخل عمر ما دخله من الريب يومئذ! وهذا الريب الذي يوضحه بقوله: ارتبت ارتيابا لم أرتبه منذ أسلمت، زين لعمر الخروج على أمر الله ورسوله صلى الله عليه وآله يوم الصلح، إذا وجد من يشاطره الرأي في الخروج على النبي صلى الله عليه وآله وما رضي به النبي صلى الله عليه وآله.

____________
(1) كتاب المغازي للواقدي 2: 606 - 607 - غزوة الحديبية.
(2) التكوير: 19 - 22.
الصفحة 107 وندم عمر على ما فعل داحضا بذلك تهمة الإلهام التي اتهموه بها، وقال: " لقد أعتقت فيما دخلني يومئذ رقابا، وصمت دهرا " ورغم ذلك فعندما يذكر عمر ما صنع حينما يكون في خلوته يشعر بثقل ذنبه ويكون أكبر همه، ولذا توصل عمر إلى نتيجة قنع بها في اتهام الرأي، على أن الرأي منعدم في قبالة النص، ولا سيما في حياة النبي صلى الله عليه وآله، كما حدث لعمر.
ومن عجائب ما ذكره الدحلاني في قول عمر " لقد أعتقت بسبب ذلك رقابا وصمت دهرا ": " وإنما فعل ذلك لتوقفه عن المبادرة بامتثال الأمر، وإن كان معذورا في جميع ما صدر منه، بل مأجور، لأنه مجتهد "!!
ولله العجب من هذا الكلام! أيجتهد عمر في أمر صدر من النبي صلى الله عليه وآله في حياته؟! أيعد عدم امتثال عمر لأمر الله ورسوله اجتهادا في وجه النبي الكريم؟! وهل كان لعمر الخيرة من أمره قبال ما قضاه الله ورسوله من قضية الصلح تلك؟! وهل كان عمر يرى التسليم لأمر الله لا يلزمه؟! أم أن عصمة النبي صلى الله عليه وآله ليس لها وزن أمام آراء عمر بن الخطاب؟! أم يا ترى وجد عمر في قوله تعالى: (ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) (1) فسحة للرد على النبي صلى الله عليه وآله وعدم المبادرة إلى امتثال أمره وللاجتهاد ضد أوامره؟!
وروي أنه عندما لم يقم أحد من الناس للمبادرة بامتثال أمر النبي صلى الله عليه وآله لما قال لهم:
" قوموا فانحروا وحلقوا " دخل عليه وآله السلام على أم سلمة [ التي كانت معه يومئذ ] وهو شديد الغضب فاضطجع، فقالت: ما لك يا رسول الله؟! مرارا، وهو لا يجيبها، وذكر لها ما لقي من الناس، وقال لها: هلك المسلمون، أمرتهم أن ينحروا ويحلقوا، فلم يفعلوا " (1).
فعمر لم يكن مستثنى من الناس في أمر النبي صلى الله عليه وآله بالنحر والحلق، ولم يقم عمر، وتثاقل مع الناس في امتثال أمر النبي صلى الله عليه وآله. ولو كان لعمر هذا الثواب بسبب هذا الاجتهاد ضد أوامر النبي صلى الله عليه وآله فلم قال النبي صلى الله عليه وآله لأم المؤمنين: " هلك المسلمون، أمرتهم أن ينحروا ويحلقوا، فلم يفعلوا "؟!.

____________
(1) الحشر: 7.
(2) السيرة الحلبية 3: 23 - قصة الحديبية.
الصفحة 108 إذا، فليعلم الدحلاني ومن ذهب مذهبه أن عدم المبادرة إلى امتثال أمر النبي صلى الله عليه وآله ليس أنه لا يتضمن ثوابا فحسب، بل موجب للهلاك والعذاب، كما قال النبي صلى الله عليه وآله.
ولو كان عمر بن الخطاب - دعك من أن يكون مستيقنا من الأجر على اجتهاده ضد أوامر النبي صلى الله عليه وآله - لو كان يظن ظنا أنه مأجور على عدم المبادرة إلى امتثال أوامر النبي صلى الله عليه وآله.. لما توسل إلى الله طلبا لرضاه ومغفرته بعتق الرقاب والصوم دهرا، إذ أن هذا العمل يوضح ندم عمر على ما صنع مع رسول الله، وهذا يبين إحساسه بالإثم، لا الثواب يا سيدي الدحلاني!
غير أن إثبات عدم المبادرة إلى امتثال أوامر النبي صلى الله عليه وآله من ناحية عمر هو موضع حديثنا وهو ما نسعى إلى توضيحه. ومن هنا يظهر بطلان حديث " اقتدوا باللذين من بعدي أبو بكر وعمر "، وقول من قال: إن الشيخين لامتثالهما أمر النبي عليه وآله السلام أمر باتباعهما.
ولما عاد النبي صلى الله عليه وآله وأصحابه راجعين بعد صلح الحديبية إلى المدينة، نزلت عليه بكراع الغميم - وهو مكان بين مكة والمدينة - سورة الفتح.
وقد روى البخاري (1) أن النبي صلى الله عليه وآله نادى عمر وقال له: " لقد أنزلت علي سورة هي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس ". ثم قرأ: (إنا فتحنا لك فتحا مبينا) (2)، فقال رجل من أصحابه: ما هذا بفتح، لقد صددنا عن البيت، وصد هدينا، ورد رجلان من المؤمنين كانا خرجا إلينا! فقال النبي [ صلى الله عليه وآله ] " بئس الكلام هذا، بل هو أعظم فتح، قد رضي المشركون أن يدفعوكم بالبراح عن بلادهم، ويسألوكم القضية، ويرغبوا إليكم في الأمان، وقد رأوا منكم ما كرهوا، وأظفركم الله عليهم، وردكم سالمين مأجورين، فهو أعظم الفتوح. أنسيتم يوم أحد إذ تصعدون ولا تلوون على أحد وأنا أدعوكم في أخراكم؟! أنسيتم يوم الأحزاب (إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله
____________
(1) صحيح البخاري: كتاب الجهاد - باب غزوة الحديبية - ج 3.
(2) - الفتح 1.
الصفحة 109 الظنونا)؟! " (1) فقال المسلمون: " صدق الله ورسوله، والله يا نبي الله ما فكرنا فيما فكرت فيه، ولأنت أعلم بالله وبأمره منا " (2).
إقرأ مرة أخرى عزيزي القارئ خطاب ذلك الرجل لنبي الله العظيم، عندما قرأ عليه عليهم السلام (إنا فتحنا لك فتحا مبينا): " ما هذا بفتح... ". وأنت قد علمت أن الذي كانت له الجرأة على رسول الله، وكان دائما لا يخشى في الحق لومة لائم، والذي كان متصدرا الاعتراض على النبي صلى الله عليه وآله يوم الصلح... إنما عمر بن الخطاب. فمن يا ترى ذلك الرجل الذي اضطر الراوي إخفاء اسمه، ذلك الرجل الشجاع الذي لا يخشى لومة لائم، فقال رادا على النبي صلى الله عليه وآله: " ما هذا بفتح، لقد صددنا عن البيت، وصد هدينا... "؟! من هو يا ترى؟! لعل هناك فاروقا آخر لا نعلمه!

عمر وصلاة النبي على ابن أبي المنافق
من المواقف العمرية التي كان يرى فيها تناقض أفعال النبي صلى الله عليه وآله مع القرآن:
موقفه من النبي صلى الله عليه وآله عندما عزم أن يصلي على جثمان ابن أبي بن أبي سلول.
يقول عبد الله بن عمر بن الخطاب: " لما توفي ابن أبي جاء ابنه فقال: يا رسول الله، أعطني قميصك أكفنه فيه، وصل عليه، واستغفر له. فأعطاه قميصه، وقال له: إذا فرغت منه فآذنا. فلما فرغ منه آذنه به، فجاء [ صلى الله عليه وآله ] ليصلي عليه، فجذبه عمر فقال له: أليس قد نهاك الله أن تصلي على المنافقين، فقال لك: (إستغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم) (3)؟!
فاعتراض عمر على النبي صلى الله عليه وآله في هذه الواقعة صريح لا يقبل التأويل، وادعاء الاجتهاد في هذه المسألة يثير السخرية ممن يدعيه، وممن ينسب هذا التصرف العمري إلى غيرته الدينية..

____________
(1) الأحزاب: 10.
(2) أنظر: السيرة الدحلانية: قصة الحديبية.
(3) صحيح البخاري 4: 18 - كتاب اللباس، و 3: 92 باب قوله تعالى (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم). والآية في سورة التوبة، الآية 80.
الصفحة 110 فعليه.. إما أن يقبل أن غيرته على الدين تفوق غيرة النبي صلى الله عليه وآله، أو أن غيرة عمر هذه قد أخرجته عن دائرة اعتبار مقام النبوة، فصار يرى النبي صلى الله عليه وآله مناقضا أو مخالفا لكتاب الله!! ومن عبارته: " أليس نهاك الله أن تصلي على المنافقين؟! " يتضح ذلك جليا، لأن نهي القرآن عن شئ لازمه مخالفة الذي لا يعمل بهذا النهي.
فالقرآن - كما يظن عمر - قد نهى النبي صلى الله عليه وآله عن الصلاة على المنافقين، ولكن النبي صلى الله عليه وآله صلى على المنافق ابن أبي.. فيكون بالتالي قد خالف النبي صلى الله عليه وآله القرآن الكريم - كما يظن أبو حفص - ولذا لم يتورع عن جذب النبي صلى الله عليه وآله من ثوبه والاعتراض على صلاته!!
فهذا إلهام آخر يخبر عمر بمخالفة النبي الكريم للقرآن، فيبدو النبي صلى الله عليه وآله في هذا الموقف مخطئا ومذنبا، ويظهر أبو حفص مصيبا موافقا للحق والصواب! فهل يبقل العقل هذا؟! أم هل يؤيد القرآن ذلك؟!!
ولما اشتد اعتراض عمر على النبي صلى الله عليه وآله في أمر الصلاة قال له النبي صلى الله عليه وآله: " أخر عني يا عمر إني خيرت، قيل لي: (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم) فلو أعلم أني إن زدت على السبعين غفر الله له لزدت "، [ فابتعد عمر عن سبيل النبي صلى الله عليه وآله ] فصلى رسول الله عليه، ومشى خلفه، وقام على قبره... (1).
فكل هذه الأفعال التي أتى بها النبي صلى الله عليه وآله تبدو في نظر عمر مخالفات للقرآن، ولهذا جذب النبي صلى الله عليه وآله من ثوبه ناهيا إياه عن مخالفة القرآن، في جرأة لم يتصف بها إلا عمر، ولكن لم يعبأ النبي صلى الله عليه وآله به ولا باعتراضاته، فصلى عليه كما رأيت.
على أن هذا الأمر كان بعيدا عن إدراك وأفهام عمر، وذلك لسببين:
أولا: من أين لعمر أن النبي صلى الله عليه وآله قد نهي عن الصلاة على المنافقين، وعلى القيام على قبورهم في ذلك الوقت؟! فالآية التي استدل بها عمر على منع الصلاة على موتى المنافقين والقيام على قبورهم ليس فيها إشارة إلى منع الصلاة عليهم ولا نهي عن القيام على قبورهم، وإنما تبين عدم فائدة الاستغفار لهم، ولو بلغ سبعين مرة، ولهذا قال
____________
(1) نفس المصدر السابق، وكنز العمال 1: 170 / 858.
الصفحة 111 النبي صلى الله عليه وآله لعمر: " فلو أعلم أني إن زدت على السبعين غفر الله له لزدت " ولذا صلى النبي صلى الله عليه وآله وقام على قبره.
فاستدلال عمر بتلك الآية على منع الصلاة على المنافقين ليس في محله، بل خطأ هو بليغ سقط فيه ابن الخطاب.
وأما آية المنع عن الصلاة على المنافقين والنهي عن القيام على قبورهم فلم تكن قد نزلت قبل صلاة النبي صلى الله عليه وآله على ابن أبي، فعمر قد فهم من آية عدم فائدة الاستغفار منع الصلاة، فقال للنبي صلى الله عليه وآله: أليس قد نهاك الله أن تصلي على المنافقين؟! فمتى نهى الله نبيه عن الصلاة على المنافقين قبل الصلاة على ابن أبي؟! فلعلها آية في القرآن نسيها أو خالفها النبي صلى الله عليه وآله ولم ينسها أو يخالفها ابن الخطاب!! ولعله من إلهامه الذي يفتقر إليه النبي صلى الله عليه وآله!
فقوله تعالى: (ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره) هو النهي عن الصلاة على أموات المنافقين والقيام على قبورهم، وهذه الآية نزلت بعد صلاة النبي صلى الله عليه وآله على ذلك المنافق، ولم يقع نهي صريح (1).
يقول عبد الله بن عمر: "... فجاء النبي [ صلى الله عليه وآله ] ليصلي عليه [ أي على ابن أبي ] فجذبه عمر، فقال له: أليس قد نهاك الله أن تصلي على المنافقين، فقال لك: (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم)؟! [ قال عبد الله بن عمر: ] فنزلت [ بعد ذلك ]: ( ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره) (2). إذا، فقد نزلت هذه الآية بعد تمام الصلاة، كما هو واضح.
أما الأمر الثاني: الذي قصرت أفهام عمر عن إدراكه، فهو الحكمة التي تضمنتها صلاة النبي صلى الله عليه وآله على ابن أبي المنافق..
فمن المعروف أن النبي صلى الله عليه وآله - في سبيل استئلاف الناس وترغيبهم في الإسلام - كان يبذل قصارى جهده ومنتهى سعيه ويبخع نفسه من أجل أن تشملهم نعمة الإسلام،
____________
(1) إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري 8: 423 - كتاب اللباس.
(2) صحيح البخاري 4: 18 - كتاب اللباس.
الصفحة 112 لرحمته الشديدة بهم ورأفتهم عليهم، فرحمة النبي صلى الله عليه وآله بالناس وحكمته أوجبت عليه استئلاف قوم ابن أبي بهذه الصلاة، ذلك أن النبي صلى الله عليه وآله لم يقصد بهذه الصلاة ابن أبي على وجه الخصوص، لعلم النبي صلى الله عليه وآله السابق بعدم فائدة الاستغفار له، وإن بلغ فيه السبعين.
على أن النبي صلى الله عليه وآله طبقا لما جاء في الحديث لم ير أن باب الاستغفار قد أغلق، وأنه قد نهي عن الاستغفار، فقال: " فلو أعلم إن زدت على السبعين غفر الله لزدت... "، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى فابن أبي كان يظهر الإسلام.
إذا، فهو من حيث الظاهر معدود من المسلمين، والرسول بصلاته على ابن أبي لم يخالف الدين في شئ، كما ظن عمر، بل أجرى حكم الظاهر في الإسلام فصلى على ابن أبي ومشى خلفه وقام على قبره، مع العلم أن منع الصلاة على المنافقين لم يصدر إلا بعد الصلاة وتمامها، كما علم.
هذا فيما يختص بشخص ابن أبي وما فعله النبي صلى الله عليه وآله تجاهه، غير أنه كان للنبي صلى الله عليه وآله حكمة ومرمى آخر لا ينتبه إليه إلا من كانت له فطنة النبوة، ولهذا لم يدركها عمر ومع عدم إدراكه هذا لم يسلم لنبي الإسلام العظيم ولم يفوض الأمر إليه تبعا للقرآن، فكان ما كان.
فما هي حكمة النبي صلى الله عليه وآله من صلاته على هذا المنافق؟
يقول ابن حجر: " إنما فعل ذلك له على ظاهر حكم الإسلام واستئلافا لقومه، مع أنه لم يقع نهي صريح. وروي أنه أسلم ألف رجل من الخزرج " (1) [ والخزرج: هم قبيلة ابن أبي ].
إذا، فحكمة النبي صلى الله عليه وآله في هذا الفعل هي استئلاف قوم ابن أبي وترغيبهم في الإسلام، وقد حدث هذا، إذ أسلم منهم لذلك ألف رجل.. ولهذا أسف أبو حفص وندم، وقال: " أصبت في الإسلام هفوة ما أصبت مثلها قط، أراد رسول الله [ صلى الله عليه وآله ] أن يصلي على ابن أبي فأخذت بثوبه، فقلت له: والله ما أمرك الله بهذا، لقد قال لك: (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن تغفر الله لهم). فقال رسول الله: خيرني ربي، فقال: (استغفر لهم
____________
(1) إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري 8: 423 - كتاب اللباس. الصفحة 113 أو لا تستغفر لهم) فاخترت " (1).
إذا، فعمر لم يدع الإلهام فيما صنع مع النبي صلى الله عليه وآله، بل اعترف بما ارتكبه من خطأ وهفوة في الإسلام لا نظير لها، فليذهب إذا الإلهام أدراج الرياح، وليبق الاعتراف بالخطأ فضيلة لأبي حفص.

ضرب عمر لمبعوث رسول الله صلى الله عليه وآله
غير أنه لم تكن هذه الهفوة هي الوحيدة التي صدرت من جانب أبي حفص تجاه رسول الله صلى الله عليه وآله، فعندما أمر النبي صلى الله عليه وآله أبا هريرة بقوله: " إذهب، فمن لقيته يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه، فبشره بالجنة ". فكان أول من لقيه عمر، فسأله عن شأنه، فأخبره بما أمره به رسول الله صلى الله عليه وآله. يقول أبو هريرة: " فضرب عمر بيده بين ثديي فخررت لإستي، فقال:
إرجع يا أبا هريرة، فرجعت إلى رسول الله، فأجهشت بكاء، وركبني عمر وإذا هو على أثري، فقال لي رسول الله: ما لك يا أبا هريرة؟ فقلت: لقيت عمر فأخبرته بالذي بعثتني به، فضرب بين ثديي ضربة خررت لإستي فقال: إرجع. فقال رسول الله [ صلى الله عليه وآله ]: يا عمر! ما حملك على ما فعلت؟ مل ء الفراغ قال: يا رسول الله، أبعثت أبا هريرة بأن من لقي الله يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه يبشره بالجنة؟!
فقال رسول الله: نعم.
قال: لا تفعل، فإني أخشى أن يتكل الناس عليها، فخلهم يعملون... "!
وهذه المرة كان عمر الآمر والنبي صلى الله عليه وآله مأمورا ومطيعا! وانعكس قوله تعالى (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول) (2)! فعمر - كما أوضحنا سالفا - لم يكن يأنس في النبي صلى الله عليه وآله العصمة.
وهذا مما فتح الباب واسعا لاعتراضاته على النبي صلى الله عليه وآله، بل إنه قد نهى النبي صلى الله عليه وآله عما يريد فعله!

____________
(1) كنز العمال 1: 247 / 4404.
(2) - النساء: 59.
الصفحة 114 وكان عمر يحمل بين جنبيه إحساسا يجعله على قرار النبي صلى الله عليه وآله في الأمر والنهي، وإن كان هذا الإحساس يبلغ أحيانا أوجه، فيكون أبو حفص الآمر والنبي صلى الله عليه وآله المأمور!
وإلا فليس لنا تفسير لقول عمر للنبي صلى الله عليه وآله: " لا تفعل فإني أخشى... "، فهذه عبارة تبين بكل وضوح أن عمر أجلس نفسه في ذلك المقام الذي أشرنا إليه: مقام الآمر والناهي لرسول الله.
وبقوله: " إني أخشى... " يبين إحساسه بعدم قصوره عن النبي صلى الله عليه وآله في شئ، وكأنه يقول لرسول الله الكريم: إن كنت ترى تبشير الناس بالجنة - حين يستيقنون من وحدانية الله - أمرا لا بأس فيه. فأنا أرى أنه ليس صحيحا! إذا، فقد تساوت كفته مع كفة النبي صلى الله عليه وآله!!
وهو بقوله: " لا تفعل " يبين إحساسه بصواب رأيه وعدم صواب قول النبي صلى الله عليه وآله!
وليس هذا فحسب، إذ يتضمن ذلك الإحساس أيضا إحساسه بالأمر والنهي للنبي صلى الله عليه وآله، وهنا تترجح كفة عمر!... فلو كان الأمر مجرد نظر من عمر ورأي ليس له قوة الأمر لأخذ شكلا آخر، ولكن القرائن تشير إلى أن عمر لم يكن يحمل في نفسه إلا الشعور بالأمر والنهي، ولم يتعقب أبا هريرة ويلحق به إلا لينهى النبي صلى الله عليه وآله عن هذا الأمر! وضربه لأبي هريرة بتلك الصورة لأكبر دليل وأدل قرينة على ذلك، لأن النزعة الآمرة والناهية في نفس عمر جعلته يشعر بوقوع حتى أبي هريرة في الغلط، واشتراكه في اجتراح الخطأ.
وإحساس عمر تجاه النبي صلى الله عليه وآله يتضح عملا في تصرفه مع أبي هريرة بهذه الصورة.
على أن هذا الإحساس العملي تجاه النبي صلى الله عليه وآله لا يظهر من عمر إلا في شخص رسول رسول الله، وذلك لاستضعافه المسكين أبا هريرة. ولما كان هذا الإحساس منه تجاه النبي صلى الله عليه وآله يغور في أعماقه دون الظهور إلا في ألفاظه وأقواله تراه يتضح في الاعتراضات والمخالفات التي لا يسمح عمر الآمر والناهي بإخفائها في أعماقه.. ولهذا قال للنبي صلى الله عليه وآله " لا تفعل " بكل ارتياح. ولو كان عمر قانعا بقوله تعالى في شأن مقام النبي صلى الله عليه وآله: (وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى) (1)، ولو فهم منه عصمة النبي صلى الله عليه وآله وأن قول
____________
(1) النجم: 20 و 21. الصفحة 115 النبي صلى الله عليه وآله وحي من الله تعالى.. أقول: لو كان قد استيقن عمر ذلك، لم يكن ليتفوه بكل ما تفوه به، ولما عارض أبدا.
غير أن القوم - كالمعهود - يسعون إلى تصحيح ما صدر من عمر مهما كان، ولو أدى ذلك إلى انتقاص من مقام النبي صلى الله عليه وآله، حتى يبقى مقام عمر محفوظا من حيث لا يشعرون!
فلو كان عمر رأى أن الأصلح عدم تبشير الناس.. فإما أن يكون النبي صلى الله عليه وآله عالما بهذا الأصلح، أو لم يكن عالما...
فإن كان النبي صلى الله عليه وآله يعلم بالأصلح ويأمر بغيره فقد خالف الوحي، لأن الوحي لا يأمر إلا بالأصلح، ويكون النبي صلى الله عليه وآله قد أمر بما أملى عليه هواه، وهذا يخالف قوله تعالى: ( وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى).
وإن كان لا يعلم بالأصلح فالقائل بهذا عليه أن يسعى للعودة إلى حظيرة الإسلام بالتوبة.
ثم ماذا نقول في ضرب عمر أبي هريرة؟! وأي صلاح في ذلك الضرب؟!
وأين عمر من قوله تعالى: (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم)؟! أم أن أبا هريرة في نظر عمر لم يكن ممن هم مع محمد رسول الله صلى الله عليه وآله، فكان شديدا عليه؟! غير أننا لا نملك إلا التعجب ممن يصحح تصرفات عمر هذه.. والله المستعان.

عمر ورزية يوم الخميس
ويستمر سيل الاعتراضات العمرية على أقوال وأفعال النبي صلى الله عليه وآله، ويبلغ شأوا بعيدا في " يوم الخميس " يوم كان النبي صلى الله عليه وآله على فراش الاحتضار ينتظر لحظات الموت!
ولقد كان لعمر في ذلك الموقف أصلب الاعتراضات وأشدها ضد النبي صلى الله عليه وآله وأقواله، وهذا الموقف العجيب نشاهده في قصة يوم الخميس، أو كما يسميها ابن عباس ب‍ " رزية يوم الخميس ".
الصفحة 116 ولقد وقعت هذه الحادثة قبل وفاة النبي صلى الله عليه وآله بأربعة أيام، إذ توفي صلى الله عليه وآله بعدها في يوم الاثنين.
أخرج البخاري، عن عبد الله بن مسعود، عن ابن عباس: قال: " لما حضر رسول الله (ص)، وفي البيت رجال كان فيهم عمر بن الخطاب، قال النبي (ص): هلم أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده.
فقال عمر: إن النبي [ صلى الله عليه وآله ] قد غلب عليه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله..
فاختلف أهل البيت فاختصموا، منهم من يقول: قربوا يكتب لكم النبي كتابا لن تضلوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر.
فلما أكثروا اللغو والاختلاف عند النبي (ص) قال لهم: " قوموا "..
- قال ابن مسعود -: فكان ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم " (1). وروى هذا الحديث مسلم في صحيحه وأحمد في مسنده أيضا (2)
لقد ذكر أن عمر قال: " إن النبي قد غلب عليه الوجع ". وفي الحقيقة أن هذه العبارة ليست هي التي ذكرها عمر على التحقيق واصفا بها رسول الله صلى الله عليه وآله، وإنما هي معنى ما تفوه به ابن الخطاب في رده على طلب النبي صلى الله عليه وآله!
وهذا ما يؤكده حديث أبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجواهري، حيث يروي عن ابن عباس أنه قال: " لما حضر رسول الله الوفاة، وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، قال رسول الله [ صلى الله عليه وآله ]: ائتوني بداوة وصحيفة أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده، قال: فقال عمر كلمة معناها أن الوجع قد غلب على رسول الله (ص). ثم قال [ أي عمر ]: عندنا القرآن، حسبنا كتاب الله!
فاختلف من في البيت واختصموا، فمن قائل: قربوا يكتب لكم النبي، ومن قائل ما قال عمر [ أي الكلمة التي تعني أن الوجع قد غلب على النبي صلى الله عليه وآله ]. فلما أكثروا اللغط واللغو
____________
(1) صحيح البخاري: كتاب المرضى - باب قول المريض قوموا عني، وكتاب العلم من صحيح البخاري ج 1.
(2) صحيح مسلم: كتاب الوصايا - ج 2: وأحمد بن حنبل في مسنده 1: 325 و 355.
الصفحة 117 والاختلاف، غضب (ص) فقال: قوموا " (1).
إذا، فعمر لم يقل في رده على النبي صلى الله عليه وآله: إن النبي قد غلب عليه الوجع، وإنما قال كلمة تحمل هذا المعنى مع احتوائها على معان أخر.. فما هي تلك الكلمة التي أحجم يراع الرواة عن إثباتها على صفحات القرطاس؟!
يروي البخاري في صحيحه، عن ابن عباس أنه قال: " يوم الخميس، وما يوم الخميس؟! ثم بكى حتى خضب دمعه الحصباء، فقال: اشتد برسول الله (ص) وجعه يوم الخميس، فقال: ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا، فتنازعوا - ولا ينبغي عند نبي تنازع - فقالوا: هجر رسول الله (ص)!
قال (ص): دعوني! فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه!
وأوصى عند موته بثلاث: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، أجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم، (قال): ونسيت الثالثة " (2)!
فالشئ الواضح في تلك الأحاديث أن المبادر بالرد على رسول الله صلى الله عليه وآله اطرادا هو عمر بن الخطاب، والناس تبع له فيما يقول.. وهذا واضح في عبارة " ومنهم من يقول ما قال عمر "، وعبارة " ومن قائل ما قال عمر " فعمر إذا، هو المبادر إلى الرد على رسول الله الكريم، والناس إنما نسجوا على منواله.
ثم كانت الكلمة التي استعاض عنها الرواة بذكر معناها، وهي هجر رسول الله، حيث أوردها البخاري في الحديث الأخير، ولكنه عبر عنها بما قاله الناس، مع علمنا بأن الناس كانوا يقولون ويرددون ما كان يقوله عمر.
إذا، فالذي قال في البدء ونسج الناس على منواله هو عمر بن الخطاب لا غير.
إن صحة هذه الحادثة وهذه الرزية مما لا شك فيه ولا يشوبها الريب. ثم إن فظاعة الواقعة جعلت القوم يبذلون المهج عبثا في الحصول على تفسير لائق يدفع تهمة الرد
____________
(1) كتاب السقيفة لأبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجواهري.
(2) صحيح البخاري: كتاب الجهاد والسير - باب جوائز الوفد، وصحيح مسلم: كتاب الوصية.
الصفحة 118 والاعتراض عن الفاروق الذي واجه النبي صلى الله عليه وآله واتهمه بالهجر والهذيان والخطرفة التي تعتري المريض وفاقد الوعي!!
وقد ذكر عمر أن النساء اللائي كن حاضرات في ذلك الوقت قلن من خلف الستار: " ألا تسمعون ما يقول رسول الله (ص)؟!
قال عمر: إنكن صويحبات يوسف، إذا مرض عصرتن أعينكن، وإذا صح ركبتن عنقه!
قال [ عمر ]: فقال رسول الله [ صلى الله عليه وآله ] دعوهن فإنهن خير منكم " (1).
إن شدة الاعتراض العمري وسوء التصرف تجاه أمر النبي صلى الله عليه وآله الذي بدر منه، ورده الواضح لسنة النبي صلى الله عليه وآله جعل القوم في ذهول عن مقام النبوة، ودفعهم صعوبة الموقف إلى زهق الأرواح في سبيل الحصول على اعتذار عما صدر من ابن الخطاب!
فماذا قال المعتذرون في تبرير شدة عمر على النبي صلى الله عليه وآله في هذا الأمر؟
لبيان ما أورده المعتذرون عن عمر ومن تابعه في تلك المعارضة.. ننقل ما دار بين الشيخ سليم البشري - شيخ الأزهر الشريف في زمانه - والسيد شرف الدين الموسوي في مسألة رزية يوم الخميس هذه، إذ يمثل هذا الحوار القمة في البحث العلمي القائم على الإنصاف والعدل وبيان الحقيقة، بعيدا عن الأغراض وتتبع العورات والمساءات. ولا غرو، إذ كان الرجلان من جهابذة علماء المسلمين، وقد كان الحوار بحق مثالا يقتدى في بحث الأمور الخلافية بين من اختلفت مشاربهم من الفرق الإسلامية، وهم ينتمون إلى هذا الدين الحق، لم ينقطع بينهم الأصل الرابط حتى يتعسر عليهم الاتفاق.
يقول الشيخ سليم: " لعل النبي عليه السلام حين أمرهم بإحضار الدواة والبياض لم يكن قاصدا لكتابة شئ من الأشياء، وإنما أراد بكلامه مجرد اختبارهم لا غير. فهدى الله عمر الفاروق لذلك دون غيره من الصحابة، فمنعهم من إحضارها. فيجب - على هذا - عد تلك الممانعة في جملة موافقاته لربه تعالى، وتكون من كراماته رضي الله عنه ".
هكذا أجاب بعض الأعلام... لكن الإنصاف أن قوله صلى الله عليه وآله: " لن تضلوا بعده " لا يخفي أن الإخبار بمثل هذا الخبر لمجرد الإخبار إنما هو من نوع الكذب الواضح الذي
____________
(1) كنز العمال 3: 138.
الصفحة 119 يجب تنزيه الأنبياء عنه، ولا سيما في موضع يكون ترك إحضار الدواة والبياض أولى من إحضارها.
على أن في هذا الجواب نظرا من جهات أخر، فلا بد هنا من اعتذار آخر.. حاصل ما يمكن أن يقال [ فيه ]: إن الأمر لم يكن أمر عزيمة وإيجاب حتى لا تجوز مراجعته ويصير المراجع عاصيا، بل كان أمر مشورة، وكانوا يراجعونه صلى الله عليه وآله في بعض تلك الأوامر لا سيما عمر، فإنه كان يعلم من نفسه أنه موفق للصواب في إدراك المصالح وكان صاحب إلهام من الله تعالى، وقد أراد التخفيف عن النبي صلى الله عليه وآله إشفاقا عليه من التعب الذي يلحقه بسبب إملاء الكتاب في حال المرض والوجع. وقد رأى رضي الله عنه أن ترك إحضار الدواة أولى..
وربما خشي أن يكتب النبي صلى الله عليه وآله أمورا يعجز الناس عنها فيستحقون العقوبة بسبب ذلك، لأنها تكون منصوصة لا سبيل إلى الاجتهاد فيها، ولعله خاف من المنافقين أن يقدحوا في صحة ذلك الكتاب لكونه في حال المرض فيصير سببا للفتنة، فقال " حسبنا كتاب الله " لقوله تعالى: (ما فرطنا في الكتاب من شئ) وقوله: (اليوم أكملت لكم دينكم)! وكأنه رضي الله عنه أمن من ضلال الأمة حيث أكمل الله لها الدين وأتم عليها النعمة.
هذا جوابهم، وهو كما ترى! لأن قوله صلى الله عليه وآله: " لن تضلوا " يفيد أن الأمر أمر عزيمة وإيجاب، لأن السعي فيما يوجب الأمن من الضلال واجب مع القدرة بلا ارتياب.
واستياؤه [ صلى الله عليه وآله ] منهم وقوله لهم: " قوموا! " حين لم يمتثلوا أمره دليل آخر على أن الأمر إنما كان للإيجاب لا للمشورة.
[ فإن قلت: لو ] كان واجبا ما تركه النبي صلى الله عليه وآله بمجرد مخالفتهم، كما أنه لم يترك التبليغ بسبب مخالفة الكافرين.
فالجواب: أن هذا الكلام لو تم فإنما يفيد كون كتابة ذلك الكتاب لم تكن واجبة على النبي [ صلى الله عليه وآله ] بعد معارضتهم له عليه السلام. وهذا لا ينافي وجوب الإتيان بالدواة والبياض عليهم حين أمرهم النبي [ صلى الله عليه وآله ] به وبين لهم أن فائدته الأمن من الضلال، إذ الأصل في الأمر الصفحة 120 إنما هو الوجوب على المأمور، لا على الآمر، لا سيما إذا كانت فائدته عائدة على المأمور خاصة، والوجوب عليهم هو محل الكلام لا الوجوب عليه [ صلى الله عليه وآله ].
على أنه يمكن أن يكون واجبا عليه أيضا، ثم سقط الوجوب عنه بعدم امتثالهم وبقولهم: " هجر "، حيث لم يبق لذلك الكتاب أثر سوى الفتنة، كما قلت حرسك الله.
وربما اعتذر بعضهم، بأن عمر رضي الله عنه ومن قالوا يومئذ بقوله لم يفهموا من الحديث أن ذلك الكتاب سيكون سببا لحفظ كل فرد من أفراد الأمة من الضلال على سبيل الاستقصاء، بحيث لا يضل بعده منهم أحد أصلا، وإنما فهموا من قوله: " لن تضلوا " إنكم لا تجتمعون على الضلال بقضكم وقضيضكم، ولا تتسرى الضلالة بعد كتابة الكتاب إلى كل فرد من أفرادكم. وكانوا رضي الله عنهم يعلمون أن اجتماعهم بأسرهم على الضلال مما لا يكون أبدا، وبسبب ذلك لم يجدوا أثرا لكتابته، وظنوا أن مراد النبي [ صلى الله عليه وآله ] ليس إلا زيادة الاحتياط في الأمر، لما جبل عليه من وفور الرحمة، فعارضوه تلك المعارضة، بناء منهم أن الأمر ليس للإيجاب وأنه إنما هو أمر عطف ومرحمة ليس إلا، فأراد التخفيف عن النبي [ صلى الله عليه وآله ] بتركه إشفاقا منهم عليه [ صلى الله عليه وآله ].
هذا كل ما قيل في الاعتذار عن هذه البادرة، ولكن.. من أنعم النظر فيه جزم ببعده عن الصواب، لأن قوله صلى الله عليه وآله " لن تضلوا بعده " يفيد أن الأمر للإيجاب - كما ذكرنا - واستياؤه منهم دليل على أنهم إنما تركوا من الواجبات ما هو أوجبها وأشدها نفعا، كما هو معلوم من خلقه العظيم.
ويختم الشيخ سليم رحمه الله قوله قائلا: فالأولى أن يقال في الجواب:
هذه قضية في واقعة كانت منهم على خلاف سيرتهم، كفرطة سبقت، وفلتة ندرت، لا نعرف وجه الصحة فيها على سبيل التفصيل، والله الهادي إلى سواء السبيل.
يقول الإمام شرف الدين الموسوي: قلت قد استفرغ شيخنا وسعه في الاعتذار عن هذه المعارضة، وفي حمل المعارضين فيها إلى الصحة، فلم يجد إلى ذلك سبيلا. لكن علمه واعتداله وإنصافه كل ذلك أبى عليه إلا أن يصدع برد تلك الترهات،، ولم يقتصر في تزييفها على وجه واحد، حتى استقصى ما لديه من الوجوه، شكر الله حسن بلائه في الصفحة 121 ذلك.

تزييف الاعتذار من نواح أخر
وحيث كان لدينا في تزييف تلك الأعذار وجوه أخر أحببت يومئذ عرضها عليه، وجعلت الحكم فيها موكولا إليه.
فقلت: قالوا في الجواب الأول لعله [ صلى الله عليه وآله ] حين أمرهم بإحضار الدواة لم يكن قاصدا لكتابة شئ من الأشياء، وإنما أراد اختبارهم لا غير.
فنقول - مضافا إلى ما أفدتم -: إن هذه الواقعة إنما كانت حال احتضاره - بأبي وأمي - كما هو صريح الحديث، فالوقت لم يكن وقت اختبار، وإنما كان وقت إعذار وإنذار ونصح تام للأمة، والمحتضر بعيد عن الهزل والمفاكهة، مشغول بنفسه ومهماته ومهمات ذويه، ولا سيما إذا كان نبيا.
وإذا كانت صحته مدة حياته كلها لم تسع اختبارهم، فكيف يسعها وقت احتضاره؟ على أن قوله [ صلى الله عليه وآله ] حين أكثروا اللغو واللغط والاختلاف عنده: " قوموا " ظاهر في استيائه منهم، ولو كان الممانعون مصيبين لاستحسن ممانعتهم وأظهر الارتياح إليها.
ومن ألم بأطراف هذا الحديث - ولا سيما قولهم: " هجر رسول الله " - يقطع بأنهم كانوا عالمين أنه إنما يريد أمرا يكرهونه، ولذا فاجأوه بتلك الكلمة وأكثروا عنده اللغو واللغط والاختلاف، كما لا يخفى.
وبكاء ابن عباس بعد ذلك لهذه الحادثة، وعدها رزية دليل على بطلان هذا الجواب.
قال المعتذرون: إن عمر كان موفقا للصواب في إدراك المصالح، وكان صاحب إلهام من الله تعالى.
وهذا مما لا يصغى إليه في مقامنا هذا، لأنه يرمي إلى أن الصواب في هذه الواقعة إنما كان في جانبه، لا في جانب النبي [ صلى الله عليه وآله ]، وأن إلهامه يومئذ كان أصدق من الوحي الذي نطق عنه الصادق الأمين [ صلى الله عليه وآله ].
وقالوا: بأنه أراد التخفيف عنه [ صلى الله عليه وآله ]، إشفاقا عليه من التعب الذي يلحقه بسبب

الموضوع الأصلي : دعوة إلى سبيل المؤمنين
المصدر : القانون الحديث المفقود في الطب
الكاتب: ام خالد

...............................................................................................
ربنا اغفرلي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب
 ام خالد
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

ام خالد

السادة الأعضاء
avatar






انثى

المساهمات : 993

تاريخ التسجيل : 08/09/2012

العمل. العمل. : الطب


6:مُساهمةموضوع: رد: دعوة إلى سبيل المؤمنين    الجمعة 1 نوفمبر 2013 - 6:49

الصفحة 122 إملاء الكتاب في حال المرض.

وأنت تعلم أن في كتابة ذلك الكتاب راحة قلب النبي وبرد فؤاده وقرة عينه وأمنه على أمته [ صلى الله عليه وآله ] من الضلال.
على أن الأمر المطاع والإرادة المقدسة مع وجوده الشريف إنما هما له. وقد أراد (بأبي وأمي) إحضار الدواة والبياض وأمر به فليس لأحد أن يرد أمره أو يخالف إرادته (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا).
على أن مخالفتهم لأمره في تلك المهمة العظيمة، ولغوهم ولغطهم واختلافهم عنده كان أثقل عليه وأشق من إملاء ذلك الكتاب الذي يحفظ أمته من الضلال. ومن يشفق عليه من التعب بإملاء كتاب كيف يعارضه ويفاجئه بقول هجر؟!
وقالوا: إن عمر رأى ترك إحضار الدواة والورق أولى مع أمر النبي [ صلى الله عليه وآله ] بإحضارهما..
وهل كان عمر يرى أن رسول الله [ صلى الله عليه وآله ] يأمر بالشئ الذي يكون تركه أولى؟!
وأغرب من هذا قولهم: وربما خشي [ عمر ] أن يكتب النبي [ صلى الله عليه وآله ] أمورا يعجز عنها الناس، فيستحقون العقوبة بتركها!
وكيف يخشى من ذلك مع قول النبي [ الكريم ]: " لا تضلوا بعده "؟!
أتراهم يرون عمر أعرف منه [ صلى الله عليه وآله ] بالعواقب، وأحوط منه وأشفق على أمته؟!
كلا، [ أم كان عمر يرى أن النبي صلى الله عليه وآله يكلف الناس فوق طاقتهم ووسعهم (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها).
وقالوا: لعل عمر خاف من المنافقين أن يقدحوا في صحة ذلك الكتاب لكونه في حال المرض، فيصير سببا للفتنة..
وأنت تعلم أن هذا محال مع وجود قوله (ص) " لا تضلوا "، لأنه نص بأن ذلك الكتاب سبب للأمن عليهم من الضلال، فكيف يمكن أن يكون سببا للفتنة بقدح المنافقين؟!
الصفحة 123 وإذا كان خائفا من المنافقين أن يقدحوا في صحة الكتاب، فلماذا بذر لهم بذرة القدح حيث عارض ومانع وقال: " هجر "؟!
وأما قولهم في تفسير قوله: " حسبنا كتاب الله ": إنه تعالى قال: (ما فرطنا في الكتاب من شئ) وقال عز من قائل: (اليوم أكملت لكم دينكم) فغير صحيح، لأن الآيتين لا تفيدان الأمن من الضلال، ولا تضمنان الهداية للناس.
فكيف يجوز ترك السعي في ذلك الكتاب اعتمادا عليهما؟! ولو كان وجود القرآن العزيز موجبا للأمن من الضلال، لما وقع في هذه الأمة من الضلال والتفرق ما لا يرجى زواله.
وقالوا في الجواب الأخير: إن عمر لم يفهم من الحديث أن ذلك الكتاب سيكون سببا لحفظ كل فرد من أمته من الضلال، وإنما فهم أنه سيكون سببا لعدم اجتماعهم - بعد كتابته - على الضلال. (قالوا): وقد علم رضي الله عنه أن اجتماعهم على الضلال مما لا يكون أبدا، كتب ذلك الكتاب أو لم يكتب، ولهذا عارض يومئذ تلك المعارضة.
وفيه - مضافا إلى ما أشرتم إليه -: أن عمر لم يكن بهذا المقدار من البعد عن الفهم، وما كان ليخفى عليه من هذا الحديث ما ظهر لجميع الناس، لأن القروي والبدوي إنما فهما منه أن ذلك الكتاب لو كتب لكان علة تامة في حفظ كل فرد من الضلال. وهذا المعنى هو المتبادر من الحديث إلى أفهام الناس.
وعمر كان يعلم أن الرسول (ص) لم يكن خائفا على أمته أن تجتمع على الضلال، إذ كان يسمع قوله (ص): " لا تجتمع أمتي على الضلال، ولا تجتمع على الخطأ "، وقوله:
" لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق... " (الحديث)، وقوله تعالى: (وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا) (1)، إلى كثير من نصوص الكتاب والسنة الصريحة بأن الأمة لا تجتمع بأسرها على الضلال..
فلا يعقل مع هذا أن يسنح في خاطر عمر أو غيره أن النبي (ص) حين طلب الدواة
____________
(1) النور: 55. الصفحة 124 والبياض كان خائفا من اجتماع أمته على الضلال. والذي يليق بعمر أن يفهم من الحديث ما يتبادر منه [ إلى ] الأذهان، لا ما تنفيه صحاح السنة ومحكمات القرآن على أن استياء النبي (ص) منهم المستفاد من قوله: [ قوموا ] دليل على أن الذي تركوه كان من الواجب عليهم. ولو كانت معارضة عمر عن اشتباه منه في فهم الحديث - كما زعموا - لأزال النبي (ص) شبهته، وأبان لهم مراده منه، بل لو كان في وسع النبي [ صلى الله عليه وآله ] أن يقنعهم بما أمرهم به لما آثر إخراجهم عنه. وبكاء ابن عباس وجزعه من أكبر الأدلة على ما نقول.
والإنصاف أن هذه الرزية لمما يضيق عنها نطاق العذر، لو كانت - كما ذكرتم - قضية في واقعة، كفلتة سبقت، وفرطة ندرت.. لهان الأمر، وإن كانت بمجردها بائقة الدهر وفاقرة الظهر..
والحق أن المعارضين إنما كانوا ممن يرون جواز الاجتهاد في مقابل النص، فهم في هذه المعارضة وأمثالها إذا مجتهدون، فلهم رأيهم، ولله تعالى رأيه " (1).
فهذه كانت رزية يوم الخميس التي وقف فيها عمر أمام أمر النبي صلى الله عليه وآله أصلب وقفة، ولم يترك أمر النبي صلى الله عليه وآله ليخرج إلى حيز التنفيذ. ورأيت كيف اعتذر المعتذرون عن ابن الخطاب فيما فعل، وشاهدت مصارع تلك الاعتذارات الواهية. على أنه هناك ثلاث مسائل تكفي واحدة منها لمنع عمر عن الاعتراض على النبي صلى الله عليه وآله:
أولا: علم النبي الكريم، إذ أنه علم إلهي لا يرقى إليه عمر بأي حال من الأحوال، لا سيما في مجال الدين وفي طريقة بيانه للناس وتبليغه لهم، فلا عمر له رشح من علم النبي الكريم، ولا هو أعرف منه بطريقة تبليغ دين الله حتى يعارض هذه المعارضة، وكأنه يصر على أن الحق معه والباطل مع رسول الله الكريم!
ثانيا: تلك العصمة التي يتمتع بها النبي صلى الله عليه وآله، إذ أنها مانعة بلا ريب من أن يقوم النبي صلى الله عليه وآله بعمل يقع به موقع الطعن والرد والاعتراض من جانب عمر ومن لف لفه، ولا سيما في مجال تبليغ الوحي وهداية الناس.
ولذا ما إن نرى أحدا عارض النبي صلى الله عليه وآله في مسألة من المسائل فلا بد أن نحكم
____________
(1) كتاب النص والاجتهاد ص 159 وما بعدها - رزية يوم الخميس - أعذار المعارضيين وتزييقها - المورد 16.
الصفحة 125 بلا ريب أن المعارض قد ارتكب مخالفة ومعصية، مهما كان قدره، عمريا كان أو بكريا، هاشميا كان أو علويا، لأن الناس مقابل طاعة النبي صلى الله عليه وآله سواسية لا تفاوت بينهم، فكلهم واجبة عليهم طاعته والتسليم لأمره، وحرام عليهم مخالفته ومعصيته في شئ، بل يكون ذلك أولى لمن وصف بالصحبة وعاشر النبي صلى الله عليه وآله عن قرب، سواء في طفولته أو بعد نبوته، ففي كلا الزمانين ما كان النبي صلى الله عليه وآله إلا موصوفا بالصدق والأمانة.
وكان المتوقع أنه لما أمر النبي صلى الله عليه وآله بالإتيان بالدواة والبياض لكتابة ذلك الكتاب كان على عمر وجماعته أن يتسابقوا جميعا متزاحمين بالأكتاف للفوز بأداء هذه الطاعة الأخيرة في حياة النبي صلى الله عليه وآله. ولكن ذلك لم يحدث، فقد تثاقلوا عن طاعته وتسابقوا إلى معصيته، وقالوا " هجر رسول الله! "، يقول خطرفة ويهذي هذيانا. والله المستعان على ما يقولون.
ثالثا: إن قول الله تعالى: (ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) لا يتيح لعمر أو غيره أن يقول للنبي صلى الله عليه وآله: (لماذا؟)، فضلا عن شد حزام المعارضة والمناقشة، فهذه الآية لم تستثن عمر من الخروج عن طاعة النبي صلى الله عليه وآله، فعمر الذي قال: " حسبنا كتاب الله، عندنا القرآن " يعلم إذا بهذه الآية جيدا، ولكن عمر لم يكن يرى عيبا في رد ما يكره من أوامر النبي صلى الله عليه وآله، ولم يكن يرى مانعا من أن يجتهد ضد النصوص كتابا وسنة، وقد أوضحنا ذلك فيما مر عليك من كلام.
ونحن نتساءل: لقد عارض عمر النبي صلى الله عليه وآله في كتابة ما أراد قبل أن يكتب النبي صلى الله عليه وآله منه شيئا، فهل كان يعلم عمر بفحوى هذا الكتاب ومحتواه؟! وكيف علم بذلك؟ ومتى؟
وماذا كان الكتاب؟! أم لم يكن يعلم فعارض عن جهل؟!
ونسأل ثانية: هب أن عمر كان عالما بما يريد النبي صلى الله عليه وآله كتابته، فلماذا عارض ذلك الأمر، وقد علم أنه سبب لنجاة وهداية الأمة؟ فهل كان عمر يعلم أنه سيتضرر من كتابة ذلك الأمر على وجه الخصوص؟! أم ماذا يا أولي الألباب؟!.

الموضوع الأصلي : دعوة إلى سبيل المؤمنين
المصدر : القانون الحديث المفقود في الطب
الكاتب: ام خالد

...............................................................................................
ربنا اغفرلي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب
 ام خالد
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

ام خالد

السادة الأعضاء
avatar






انثى

المساهمات : 993

تاريخ التسجيل : 08/09/2012

العمل. العمل. : الطب


7:مُساهمةموضوع: رد: دعوة إلى سبيل المؤمنين    الجمعة 1 نوفمبر 2013 - 6:50

الفصل الثالث: خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه
 
الباب الأول: استخلاف النبي صلى الله عليه وآله لأبي بكر في الصلاة الحديث المروي في صلاة أبي بكر.
بحث السند.
حديث أبي موسى الأشعري.
حديث عبد الله بن عمر.
حديث عبد الله بن زمعة.
حديث عبد الله بن عباس.
حديث عبد الله بن مسعود.
حديث بريدة الأسلمي.
حديث سالم بن عبيد.
حديث أنس بن مالك.
حديث عائشة.
حديث عائشة عن الأسود.
حديث عائشة عن مسروق بن الأجدع.
هل صلى أبو بكر بالناس؟
 
الباب الثاني: إجماع الصحابة على أبي بكر الصديق رضي الله عنه
دلالة الحديث على صلاة أبي بكر.
 
الباب الثالث: الشورى
السقيفة والشورى المزعومة.
ترك الأمر للناس والشورى.
الصفحة 128 الصفحة 129 إن أهل السنة يعتبرون أن أبا بكر هو اللائق لتولي منصب الخلافة بعد النبي صلى الله عليه آله، وعلى ذلك اتحدوا واجتمع رأيهم لذلك نفوسهم. لهذا فهم يقدحون بشدة في كل من لا يقبل خلافة الصديق، ويعتبرون ذلك قدحا في دينه، ربما أخرجوه عن دائرة الإسلام.
ولكن هذا أشبه برأيهم في عدالة الصحابة بقضهم وقضيضهم، إذا أن هذا الرأي لم يبنوه على أسس قوية وأدلة مقنعة. وقد رأينا أن واقع الصحابة وسيرتهم لا تسمح بإعطاء هذه العدالة لكافتهم دون بحث وتفحص لأحوالهم. وخلافة الصديق كذلك، إذ أن الأدلة التي ساقوها لإثبات خلافته من بعد النبي صلى الله عليه وآله لا تقنع من تفحصها وألم بجوانبها، لأن هذه الأدلة بكلمة واحدة لا تدل على أحقية أبي بكر بالخلافة، إذ أنها أدلة أزهق القوم فيها أنفسهم لإيجادها بعد وقوع الحادثة في السقيفة.
ومعنى هذا أن هذه الأدلة لم تمهد الطريق إلى خلافة أبي بكر، بل إن خلافة الصديق هي التي خلقت هذه الأدلة ومهدت لها الطريق إلى أفكار الناس، وإنما صنعت لتبرير ما تمخض عن سقيفة بني ساعدة.
وعلى أية حال فهي أدلة لا تقوى على الوقوف أمام أدلة المخالفين لخلافة الصديق، لأن أدلتهم أقطع في الدلالة وأقوى في الحجة.
ونحن نعلم أن طاعة أولى الأمر قد فرضت ووجبت على كل المؤمنين، وعليه الصفحة 130 فالخلافة تعد من أصول الدين وأساسه، ولا يجوز إذا الاستدلال عليها بأدلة لا تفيد إلا الظن، لأن الوجوب لا يبنى إلا على اليقين. والدليل الظني لا يكتفى به في الموضع اليقيني (1).
فالواجب لكي يؤدى طبقا لما أريد، ولكي ينجز في زمانه أو مكانه المعين له، لا بد أن يتشخص بأدلة واضحة سهلة الفهم والإدراك على مستوى أضعف الناس عقلا، لأن صعوبة فهم الواجب هي نوع من تكليف النفس بما لا يطاق، والناس كلهم مطالبون أمام الله بما أمروا به أو نهوا عنه، والتكليف بما لا يطاق محال على الشارع.
إذا فلا بد من الوضوح الذي يفيد اليقين عند بيان الواجب، وذلك لسد باب الظن فيه، حتى تقوم الحجة على كافة الناس لا على بعضهم.
فأهل السنة وزعموا أن لديهم أدلة تؤيد أحقية الصديق في الخلافة بعد النبي صلى الله عليه وآله، وهي تنحصر في ثلاثة.. وسنبحثها جميعا في ما يأتي من أبواب، حتى يصرح الحق عن محضه ويبين لذي عينين.
ويكون البحث طبقا للنقاط التالية:
 
____________
 
1 - التفسير الكبير للرازي 8: 174. الصفحة 131 الباب الأول
إستخلاف النبي صلى الله عليه وآله لأبي بكر في الصلاة
يقول أهل السنة إن النبي صلى الله عليه وآله، في أيام مرضه الذي توفي فيه، استخلف أبا بكر ليصلي بالناس، فصلى أبو بكر بهم صلاة الفجر من يوم الاثنين - يوم وفاته صلى الله عليه وآله - فكان أبو بكر بهذا هو آخر من صلى بالناس والنبي صلى الله عليه وآله على قيد الحياة، فصار لأبي بكر بهذه الصلاة خصوصية أهلته لتولي أمر المسلمين من بعد النبي صلى الله عليه وآله.
فقالوا: إن استخلاف النبي صلى الله عليه وآله لأبي بكر على الناس لكي يصلي بهم فيه إشارة إلى الخلافة الكبرى، وتولي أمور المسلمين بعد رسول الله صلى الله عليه وآله.
فقد قاس القوم الخلافة العظمى على الخلافة الصغرى، وهي صلاة أبي بكر بالناس بأمر النبي صلى الله عليه وآله، فاستدلوا بذلك على اختياره خليفة للناس من جانب النبي صلى الله عليه وآله، فاختاره الناس خليفة مجمعين عليه لهذا السبب نفسه.
وهذا - كما ترى - دليل لا يفيد إلا الظن، إذا أنهم قد بنوه على القياس، ولا يقين في القياس كما هو معلوم. وهذا من قوادح هذا الدليل.
يقول القوم: "... وقد وقع قياس الإمامة الكبرى - وهي الخلافة العامة - على إمامة الصلاة... والحق أن أمره [ صلى الله عليه وآله ] إياه بإمامة الصلاة كان إشارة إلى تقدمه في الإمامة الصفحة 132 الكبرى " (1). وقد روى القوم في هذا الأمر أحاديث عن عائشة أم المؤمنين، تذكر فيها كيفية أمر النبي صلى الله عليه وآله لأبي بكر ليصلي بالناس.
 
الحديث المروي في صلاة أبي بكر
روى البخاري عن عائشة أنها قالت: " لما مرض النبي [ صلى الله عليه وآله ] مرضه الذي مات فيه، أتاه بلال يؤذنه بالصلاة، فقال: مروا أبا بكر فليصل.
قلت: إن أبا بكر رجل أسيف. إن يقم مقامك يبكي، فلا يقدر على القراءة.
قال: مروا أبا بكر فليصل.
فقلت مثله، فقال في الثالثة أو الرابعة: " إنكن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل "، فصلى.
وخرج النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم، يهادى بين رجلين، كأني أنظر إلى رجليه تخطان في الأرض. فلما رآه أبو بكر ذهب يتأخر، فأشار إليه أن صل، فتأخر أبو بكر وقعد النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم إلى جنبه، وأبو بكر يسمع الناس التكبير " (2). ولهذا الحديث طرق أخرى، وسيتم بحثها من حيث السند أولا، ومن حيث مدلول المتن ثانيا.
. أما في بحث السند فنكتفي بالبحث الذي نشر عن أصح روايات هذا الحديث، في ضمن سلسلة الأحاديث الموضوعة، في مجلة " تراثنا " (3) تحقيق العلامة السيد علي الميلاني، في (العدد الثالث [ 24 ] السنة السادسة / رجب 1411 هـ‍).
يقول السيد الميلاني: " لقد نقلنا الحديث بأتم ألفاظه وأصح طرقه عن الصحاح
____________
1 - فواتح الرحموت، شرح مسلم الثبوت في علم الأصول 2: 239، بهامش المستصفى.
2 - شرح صحيح البخاري 2: 162 - باب من أسمع التكبير.
3 - مجلة تراثنا: نشرة فصلية تصدرها مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث - قم.
الصفحة 133 . مسند أحمد، وكما ذكرنا من قبل، فإن معرفة حاله بالنظر إلى هذه الأسانيد، تغنينا عن النظر فيما رووه في خارج الصحاح عن غير من ذكرنا من الصحابة.
[ وسنبحث الحديث من ناحية السند أولا، ومن ناحية المتن ثانيا ].
 
بحث السند
لقد كانت الأحاديث المذكورة عن:
عائشة بنت أبي بكر.
عبد الله بن مسعود.
عبد الله بن عباس.
عبد الله بن عمر.
عبد الله بن زمعة.
أبي موسى الأشعري بريدة الأسلمي.
أنس بن مالك.
سالم بن عبيد.
فنحن ذكرنا الحديث عن تسعة من الصحابة، وإن لم يذكر الترمذي إلا ستة، حيث قال بعد إخراجه عن عائشة: " وفي الباب عن عبد الله بن مسعود، وأبي موسى، وابن عباس، وسالم بن عبيد، وعبد الله بن زمعة. لكن العمدة حديث عائشة... بل إن بعض ما جاء عن غيرها من الصحابة مرسل وأنها هي الواسطة.
فلنبدأ أولا بالنظر في الأساتيد من غبرها ممن ذكرناهم:
 
حديث أبي موسى الأشعري
أما الحديث المذكور عن أبي موسى الأشعري، والذي اتفق عليه البخاري ومسلم وأخرجه أحمد، ففيه:
الصفحة 134 1 - أنه مرسل، نص عليه ابن حجر وقال: " يحتمل أن يكون تلقاه عن عائشة " (1).
2 - أن الراوي عنه (أبو بريدة) وهو ولده كما نص عليه ابن حجر (2). وهذا الرجل فاسق أثيم له ضلع في قتل حجر بن عدي، حيث شهد عليه - في جماعة - شهادة زور أدت إلى شهادته (3)... وروي أيضا أنه قال لأبي العادية - قاتل عمار بن ياسر رضي الله عنه -:
" أأنت قتلت عمار بن ياسر؟ قال: نعم. قال: فناولني يدك. فقبلها وقال: لا تمسك النار أبدا " (4)!
3 - والراوي عنه " عبد الملك بن عمير ":
وهو (مدلس) و (مضطرب الحديث جدا) و (ضعيف جدا) و (كثير الغلط). قال أحمد: " مضطرب الحديث جدا مع قلة روايته، وما أري له خمسمائة حديث، وقد غلط في كثير منها " (5).
وقال إسحاق بن منصور: " ضعفه أحمد جدا " (7).
وقال ابن معين " مخلط " (8).
وقال أبو حاتم: " ليس بحافظ، تغير حفظه " (9). وعنه: " لم يوصف بالحفظ " (10).
وقال ابن خراش: " كان شعبة لا يرضاه " (11).
 
____________
(1) - فتح الباري 2: 130.
2 - فتح الباري 2: 130.
3 - تاريخ الطبري 4: 199 - 200.
4 - شرح نهج البلاغة 4: 99.
5 - تهذيب التهذيب 6: 411 وغيره.
6 - تذهيب التهذيب 6: 12، ميزان الاعتدال 2 660.
7 - ميزان الاعتدال 6: 660.
8 - ميزان الاعتدال 6: 660، المغني 2: 407 تهذيب التهذيب 6: 412.
9 - ميزان الاعتدال 6: 660.
10 - تهذيب التهذيب 6: 412.
11 - ميزان الاعتدال 6: 660. الصفحة 135 وقال الذهبي: " أما ابن الجوزي فذكره وحكى الجرح، وما ذكر التوثيق " (1).
وقال السمعاني: " كان مد لسا " (2)، وكذا قال ابن حجر (3).
وعبد الملك هذا هو الذي ذبح عبد الله بن يقطر أو قيس بن مسهر الصيداوي، وهو - أي الصيداوي - رسول الإمام الحسين عليه السلام إلى أهل الكوفة، فأنه لما رمي بأمر من ابن زياد من فوق القصر وبه رمق أتاه عبد الملك بن عمير فذبحه، فلما عيب عليه ذلك قال: " إنما أردت أن أريحه " (4)!
ثم الكلام في أبي موسى الأشعري نفسه، فإنه من أشهر أعداء مولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، فقد كان يوم الجمل يقعد بأهل الكوفة عن الجهاد مع الإمام علي عليه السلام، وفي صفين هو الإمام عليه السلام عن الخلافة. وقد بلغ به الحال أن كان الإمام عليه السلام يلعنه في قنوته مع معاوية وجماعة من أتباعه (5).
ثم إن أحمد روى هذا الحديث في فضائل أبي بكر، بسنده عن زائدة، عن عبد الملك بن عمير، عن أبي بردة، عن أبي موسى الأشعري، عن أبيه كذلك (6).
 
حديث عبد الله بن عمر
وأما الحديث المذكور عن عبد الله بن عمر، فالظاهر كونه عن عائشة كذلك. كما رواه مسلم عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن حمزة بن عبد الملك بن عمر، عن عائشة... ولكن البخاري رواه بسنده عن الزهري، عن حمزة عن أبيه، قال: " لما اشتد برسول الله وجعه... ".
وعلى كل حال، فإن مدار الحديث على:
 
____________
1 - ميزان الاعتدال 2: 660.
2 - الأنساب 10: 50 " القطبي ". 3 - تقريب التهذيب 1: 521.
4 - تلخيص الشافي 3: 35، روضة الواعظين: 177، مقتل الإمام الحسين عليه السلام للمقرم: 185.
5 - وقعة صفين 551 - 552 / طبعة مصر.
6 - فضائل الصحابة 1: 106. الصفحة 136 محمد بن شهاب الزهري: وهو رجل مجروح عند يحيى بن معين (1) وعبد الحق الدهلوي. وكان من أشهر المنحرفين عن أمير المؤمنين علي عليه السلام، ومن الرواة عن عمر بن سعد اللعين [ قائد جيش يزيد لقتل الحسين عليه السلام ].
قال ابن أبي الحديد: " وكان الزهري من المنحرفين عنه. وروى جرير بن عبد الحميد، عن محمد بن شيبة، قال: " شهدت مسجد المدينة، فإذا الزهري وعروة بن الزبير جالسان يذكران عليا فنالا منه، فبلغ ذلك علي بن الحسين، فجاء حتى وقف عليهما، فقال: " أما أنت يا عروة فإن أبي حاكم أباك إلى الله، فحكم لأبي على أبيك. وأما أنت يا زهري فلو كنت بمكة لأريتك كبر أبيك " (2).
قال: روى عاصم بن أبي عامر الجبلي، عن يحيى بن عروة، قال: " كان أبي إذا ذكر عليا نال منه " (3).
قال الذهبي في ترجمة عمر بن سعد [ قائد جيش يزيد ]: وأرسل عنه الزهري وقتادة. قال ابن معين: " كيف يكون قتل الحسين ثقة؟! " (4).
وقال الشيخ عبد الحق الدهلوي في ترجمة الزهري من " رجال المشكاة ": " إنه ابتلى بصحبة الأمراء وقلة الديانة. وكان أقرانه من العلماء والزهاد يأخذون عليه وينكرن ذلك منه، وكان يقول: أنا دون شرهم [ يعني الأمراء ]، فيقولون [ أي أقرانه من العلماء والزهاد ]: ألا ترى ما هم فيه وتسكت؟! ".
وقال ابن حجر في ترجمة الأعمش: " حكى الحاكم عن ابن معين أنه قال: أجود الأسانيد الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، فقال له إنسان: الأعمش مثل الزهري!
فقال: تريد أن يكون الأعمش مثل الزهري؟! الزهري يرى العرض والإجازة ويعمل لبني
____________
1 - هو من شيوخ البخاري ومسلم، ومن أئمة الجرح والتعديل. اتفقوا على أنه أعلم أئمة الحديث بعميمه وسقيمه. توفي سنة 302 هـ‍، ترجم له في: تذكرة الحفاظ 2: 429، وغيره.
2 - شرح نهج البلاغة 6: 102.
3 - شرح نهج البلاغة 4: 102.
4 - الكاشف 2: 311. الصفحة 137 أمية، والأعمش فقير، صبور، مجانب للسلطان، ورع، عالم بالقرآن " (1).
" ولما خالط الزهري السلطان كتب أخ له في الدين إليه " (2). [ والكاتب له في الحقيقة هو الإمام السجاد عليه السلام، كما في " تحف العقول عن آل الرسول "، كتب إليه يعظه ]: " إن ما كتمت واحتملت أن آنست وحشة الظالم، وسهلت له طريق الغي...
جعلوك قطبا أداروا بك رحى مظالمهم، جسرا يعبرون إليك إلى بلاياهم، وسلما إلى ضلالتهم، داعيا إلى غيهم، سالكا سبيلهم. إحذر فقد نبئت، وبادر فقد أجلت... " (3).
ثم الكلام في عبد الله بن عمر نفسه: فإنه ممن امتنع عن بيعة أمير المؤمنين عليه السلام بعد عثمان، وقعد عن نصرته، وترك الخروج معه في حروبه، ولكنه لما ولي الحجاج بن يوسف الحجاز من قبل عبد الملك جاء ليلا ليبايعه، فقال له: " ما أعجلك؟!
فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم يقول: من مات وليس يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية!!
فقال له: إن يدي مشغولة - عنك يكتب - فدونك رجلي، فمسح على رجله وخرج!! ". [ عبد الله بن عمر، صحابي معروف، وهو ابن الخطاب، يبايع الحجاج بن يوسف بيعة الذليل، إذ مد له الحجاج رجله ليبايعه، وهو يرى فيه إمام زمانه، ويمتنع عن بيعة العزة والكرامة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، زوج البتول، وابن عم الرسول، ولا يرى فيه إمامه، أو ولاية تلزمه، أو تخرجه عن ميتة الجاهلية، وهكذا فالصحابة كلهم عدول، ويا لله ويا للعدالة!! ].
 
حديث عبد الله بن زمعة
وأما حديث عبد الله بن زمعة، فقد رواه أبو داود عنه بطريقين. والمدار في كليهما
____________
1 - تهذيب التهذيب 4: 195.
2 - إحياء علوم الدين 2: 143.
3 - تحف العقول عن آل الرسول للشيخ ابن شعبة الحراني (من أعلام الإمامية في القرن الرابع) ص 198. الصفحة 138 على " الزهري " وقد عرفته [ أنظر التحقيق في حديث عبد الله بن عمر ].
 
حديث عبد الله بن عباس
وأما حديث عبد الله بن عباس - الذي رواه ابن ماجة وأحمد، الأول رواه عن:
إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الأرقم بن شرحبيل، عن ابن عباس. والثاني رواه عن:
يحيى بن زكريا بن أبي إسحاق، عن الأرقم، عنه - فمداره على: أبي إسحاق، عن الأرقم.
وقد قال البخاري: " لا نذكر لأبي إسحاق سماعا عن الأرقم بن شرحبيل " (1).
وأما أبو إسحاق السبيعي.. فقد " قال بعض أهل العلم: كان قد اختلط، وإنما تركوه مع ابن عيينة لاختلاطه " (2).
و " كان مدلسا " (3).
وكان يروي عن عمر بن سعد قاتل الحسين عليه السلام (ع).
وكان يروي عن شمر بن ذي الجوشن الملعون (5) [ قاطع رأس الحسين عليه السلام ].
وفي مسند أحمد مضافا إلى ذلك:
1 - سماع " زكريا " من " أبي إسحاق " بعد اختلاطه، كما ستعرف.
2 - " زكريا بن أبي زائدة "، قال أبو حاتم: " لين الحديث، كان يدلس ". ورماه بالتدليس أيضا أبو زرعة وأبو داود وابن حجر... وعن أحمد: " إذا اختلف زكريا وإسرائيل فإن زكريا أحب إلي من ابن إسحاق. ثم قال: ما أقربهما، وحديثهما عن أبي إسحاق لين سمعنا منه بآخره " (6). [ أي آخر أيامه، يريد: بعد اختلاطه ].
 
____________
1 - ذكره في الزوائد، بهامش سنن ابن ماجة 1: 391.
2 - ميزان الاعتدال 3: 27.
3 - تهذيب التهذيب 8: 56.
4 - الكاشف: ميزان الاعتدال: تهذيب التهذيب 7: 396.
5 - ميزان الاعتدال 2: 72.
6 - تهذيب التهذيب 3: 285، الجرح والتعديل 1: 2 / 593. الصفحة 139 أقول: فالعجب من أحمد يقول هذا وهو مع ذلك يروي الحديث عن زكريا، عن أبي إسحاق في " المسند " كما عرفت، وفي " الفضائل " (1)!
نعم، رواه لا عن هذا الطريق، لكنه عن ابن عباس، عن العباس، فقال مرة: " حدثنا يحيى بن آدم "، وأخرى: " حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم "، عن قيس بن الربيع، عن عبد الله بن أبي السفر، عن أرقم بن شرحبيل، عن العباس بن عبد المطلب: " أن رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم قال في مرضه: " مروا أبا بكر يصلي بالناس، فخرج أبو بكر، فكبر، ووجد النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم راحته فخرج يهادى بين رجلين، فلما رآه أبو بكر تأخر، فأشار إليه النبي: مكانك. ثم جلس رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] إلى جنب أبي بكر، فاقترأ من المكان الذي بلغ أبو بكر من السورة " (2).
لكن مداره على قيس بن الربيع الذي أورده البخاري في الضعفاء (3).
وكذا النسائي (4).
وابن حبان في المجروحين (5).
وضعفه غير واحد، بل عن أحمد أنه تركه الناس، بل عن يحيى بن معين تكذيبه (6).
 
حديث عبد الله بن مسعود
أما الحديث المذكور عن عبد الله بن مسعود، فأخرجه النسائي، ورواه الهيثمي وقال: " رواه أحمد وأبو يعلى ".
 
____________
1 - فضائل الصحابة 1: 106.
2 - فضائل الصحابة 1: 108 - 109.
3 - الضعفاء للبخاري 273.
4 - الضعفاء للنسائي 401.
5 - كتاب المجروحين: 2: 216.
6 - تهذيب التهذيب 8: 350، ميزان الاعتدال 3: 393، لسان الميزان 4: 477. الصفحة 140 وفي مسنده عن الجميع " عاصم بن أبي النجود " قال الهيثمي: " وفيه ضعف " (1).
قلت: " وذكر الحافظ ابن حجر، عن ابن مسعود: كان كثير الخطأ في حديثه.
وعن يعقوب بن سفيان: في حديثه اضطراب.
وعن أبي حاتم: ليس محله أن يقال هو ثقة، ولم يكن بالحافظ. وقد تكلم فيه ابن علية فقال: كل من اسمه عاصم سيئ الحفظ.
وعن ابن خراش: في حديثه نكرة.
وعن العقيلي: لم يكن فيه إلا سوء الحفظ.
والدار قطني: في حفظه شئ.
والبزار: لم يكن بالحافظ.
وحماد بن سلمة: خلط في آخر عمره.
وقال العجلي: كان عثمانيا " (2).
 
حديث بريدة الأسلمي
أما حديث بريدة الأسلمي الذي رواه أحمد بسنده عن بريدة، عن أبيه.. فمع غض النظر عما قيل في رواية ابن بريدة - سواء كان " عبد الله " أو سليمان " - عن أبيه (3) ففيه عبد الملك بن عمير، وقد عرفته [ أنظر: بحث حديث أبي موسى الأشعري ].
 
حديث سالم بن عبيد
أما حديث سالم بن عبيد الذي أخرجه ابن ماجة:
1 - فقد قال فيه ابن ماجة: هذا حديث غريب.
2 - وفي سنده نظر... فإن " نعيم بن أبي هند " تركه مالك ولم يسمع منه، لأنه كان
____________
1 - مجمع الزوائد 5: 183.
2 - تهذيب التهذيب 5: 35.
3 - تهذيب التهذيب 5: 138. الصفحة 141 يتناول عليا رضي الله عنه (1).
و " سلمة بن نبيط " لم يرو عنه البخاري ومسلم. قال البخاري: اختلط بآخره (2).
3 - ثم إن " سالم بن عبيد لم يرو عنه في الصحاح، وما روى له من أصحاب السنن غير حديثين، وفي إسناد حديثه اختلاف!
قال ابن حجر: " سالم بن عبيد الأشجعي "، من أهل الصفة، ثم نزل إلى الكوفة.
وروى له من أصحاب السنن حديثين صحيح في العطاس، وله رواية عن عمر فيما قاله وصنعه عند وفاة النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم وكلام أبي بكر في ذلك. أخرجه يونس بن بكير في زياداته.
روى عنه هلال بن يساف، ونبيط بن شريط، وخالد بن عرفطة (3).
وقال أيضا: " الأربعة - سالم بن عبيد الأشجعي له صحبة وكان من أهل الصفة، يعد من الكوفيين. روى عن النبي في تشميت العاطس، وعن عمر بن الخطاب، روى عنه خالد بن عرفجة - ويقال ابن عرفطة - وهلال بن يساف ونبيط بن شريط. وفي إسناد حديثه اختلاف " (4).
أقول: يظهر من عبارة ابن حجر في كتابيه، ومن مراجعة الرواية عن الهيثمي (5) أن حديث سالم بن عبيد حول صلاة أبي بكر هو الحديث الذي عن عمر فيما قاله وصنعه عند وفاته صلى الله عليه [ وآله ] وسلم.. لكن ابن ماجة ذكر بعضه، كما نص عليه الهيثمي، وظاهر عبارة ابن حجر " في الإصابة " عدم صحة إسناده، ولعله المقصود من قوله في " تهذيب التهذيب ": " وفي إسناد حديثه اختلاف "، إذ القدر المتيقن منه ما يرويه نبيط بن شريط عنه، وهذا الحديث من ذلك.
 
____________
1 - تهذيب التهذيب 10: 418.
2 - تهذيب التهذيب 4: 140.
3 - الإصابة 2: 5.
4 - تهذيب التهذيب 3: 381.
 
5 - مجمع الزوائد 5: 182. الصفحة 142 حديث أنس بن مالك
أما حديث أنس بن مالك، فمنه ما عن الزهري عنه، وقد أخرجه البخاري ومسلم وأحمد. والزهري من قد عرفته. [ أنظر: بحث حديث عبد الله بن عمر ].
مضافا إلى أن الراوي عنه عن البخاري هو شعيب، وهو: شعيب بن حمزة كاتب الزهري وراويته (1).
ويروي عن شعيب: أبو اليمان، وهو الحكم بن نافع. وقد تكلم العلماء في رواية أبي اليمان من شعيب، حتى قيل: " لم يسمع منه ولا كلمة " (2).
والراوي عن الزهري عند أحمد: سفيان بن حسين، وقد اتفقوا على عدم الاعتماد على روايته عن الزهري، فقد ذكر ذلك ابن حجر عن: ابن معين وأحمد والنسائي وابن عدي وابن حبان...
وعن يعقوب بن شيبة: " في حديثه ضعف ".
وعثمان بن أبي شيبة: " كان مضطربا في حديثه قليلا ".
وعن ابن خراش: " كان لين الحديث ".
وعن أبي حاتم: " لا يحتج به ".
وعن ابن سعد: " يخطئ في حديثه كثيرا " (3).
هذا وقد روى الهيثمي فقال: " رواه أحمد، وفيه سفيان بن حسين، وهو ضعيف في الزهري. وهذا من حديثه عنه " (4).
ومنه ما عن حميد بن أنس، وقد أخرجه النسائي وأحمد، وحميد هو: حميد بن أبي حميد الطويل، وقد نصوا على أنه كان " مدلسا "، وعلى " أن أحاديثه عن أنس مدلسة " (5). وهذا الحديث من تلك الأحاديث.
 
____________
1 - تهذيب التهذيب 4: 307.
2 - تهذيب التهذيب 2: 380.
3 - تهذيب التهذيب 4: 96.
4 - مجمع الزوائد 5: 181.
5 - تهذيب التهذيب 3: 34. الصفحة 143 مضافا إلى أن الراوي عنه - عنه أحمد - هو سفيان بن حسين، وقد عرفته [ في بحث أنس بن مالك هذا نفسه، فراجع ].
هذا، وسواء صحت الطرق عن أنس أو لم تصح، فالكلام في أنس نفسه:
فأول ما فيه كذبه، وذلك في قضية الطائر المشوي، حيث كان رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم قد دعا الله سبحانه أن يأتي بعلي عليه السلام وكان يترقب حضوره، فكان كلما جاء علي عليه السلام ليدخل على النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم قال أنس: " إن رسول الله على حاجة "! حتى غضب رسول الله [ صلى الله عليه وآله ] وقال له: " يا أنس، ما حملك على رده؟! ".
ثم كتمه الشهادة بالحق، وذلك في قضية مناشدة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام الناس عن حديث الغدير وطلبه الشهادة منهم به، فشهد قوم وأبى آخرون - ومنهم أنس (1) - فدعى عليه فأصابتهم دعوته..
ومن المعلوم أن الكاذب لا يقبل خبره، وكتم الشهادة إثم كبير قادح في العدالة كذلك.
 
حديث عائشة
أما حديث عائشة.. فقد ذكرنا أنه هو العمدة في هذه المسألة:
لكونها صاحبة القصة.
ولأن حديث غيرها إما ينتهي إليها، وإما هو حكاية عما قالته وفعلته.
ولأن روايتها أكثر طرقا من رواية غيرها، وأصح إسنادا من سائر الأسانيد، وأتم لفظا وتفصيلا للقصة..
وقد أوردنا الأهم من تلك الطرق، والأتم من تلك الألفاظ. وأما البحث حول ألفاظ ومتون الحديث - عنها - فسيأتي في الفصل اللاحق، مع النظر في ألفاظ حديث غيرها [ البحث حول ألفاظ ومتون الحديث، لم ينقل هنا من مصدره ].
 
____________
1 - أنظر: الفصل الأول من هذا الكتاب - ص 42. الصفحة 144 أما البحث حول سند حديثها، فيكون تارة بالكلام على رجال الأسانيد، وأخرى بالكلام على عائشة نفسها.
أما رجال الأسانيد... فإن طرق الأحاديث المذكورة عنها تنتهي إلى:
1 - الأسود بن يزيد النخعي.
2 - عروة بن الزبير بن العوام.
3 - عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود.
4 - مسروق بن الأجدع.
ولا شئ من هذه الطرق بخال عن الطعن والقدح المسقط عن الاعتبار والاحتجاج.
 
حديث عائشة عن الأسود
كان الأسود من المنحرفين عن أمير المؤمنين علي عليه السلام (1). والراوي عنه في جميع الأسانيد المذكورة هو إبراهيم بن يزيد النخعي، وهو من من أعلام المدلسين.. قال أبو عبد الله الحاكم - في الجنس الرابع من المدلسين -: قوم دلسوا أحاديث رووها عن المجروحين، فغيروا أساميهم وكناهم كي لا يعرفوا. قال: " أخبرني عبد الله بن محمد بن حمويه الدقيقي، قال: حدثني جعفر بن أبي عثمان الطيالسي، قال: " حدثني خلف بن سالم، قال: سمعت عدة من مشايخ أصحابنا تذاكروا كثرة التدليس والمدلسين، فأخذنا في تمييز أخبارهم، فاشتبه علينا تمييز الحسن بن أبي الحسن وإبراهيم بن يزيد النخعي، لأن الحسن كثيرا ما يدخل بينه وبين الصحابة أقواما مجهولين، وربما دلس عن مثل عتى بن ضمرة وحنيف بن المنتجب ودغفل بن حنظلة وأمثالهم. وإبراهيم أيضا يدخل بينه وبين أصحاب عبد الله مثل متى بن نويرة وسهم بن منجاب وخزامة الطائي، وربما دلس عنهم " (2).
والراوي عن إبراهيم هو: " سليمان بن مهران الأعمش "، والأعمش معروف
____________
1 - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 4: 97.
2 - معرفة علوم الحديث 108. الصفحة 145 بالتدليس (1)، ذلك التدليس القبيح القادح في العدالة. قال السيوطي - في بيان تدليس التسوية -: " قال الخطيب: وكان الأعمش وسفيان الثوري يفعلون مثل هذا. قال العلائي: فهذا النوع أفحش أنواع التدليس مطلقا وشرها. قال العراقي: وهو قادح فيمن تعمد فعله، وقال شيخ الإسلام: لا شك أنه جرح، وإن وصف به الثوري والأعمش فلا اعتذار... " (2).
قال الخطيب: " التدليس للحديث مكروه عند أهل العلم. وقد عظم بعضهم الشأن في ذمه، وتبجح بعضهم بالبراءة منه " (3).
ثم روى عن شعبة بن الحجاج قوله: " التدليس أخو الكذب " وعنه: " التدليس في الحديث أشد من الزنا ". وعنه: " لأن أسقط من السماء أحب إلي من أن أدلس ".
وعن أبي أسامة: " خرب الله بيوت المدلسين، ما هم عندي إلا كذابون ".
وعن ابن المبارك: " لأن نخر من السماء أحب إلي من أن ندلس حديثا ".
وعن وكيع: " نحن لا نستحل التدليس في الثياب فكيف في الحديث؟! ".
فأذن يسقط هذا الحديث بهذا السند الذي اتفقوا في الرواية به، فلا حاجة إلى النظر في حال من قبل الأعمش من الرواة.
لكن مع ذلك نلاحظ أن الرواي عن الأعمش عند البخاري وأحمد - في أحد طرقهما - وعند مسلم والنسائي هو " أبو معاوية ". وهذا الرجل أيضا من المدلسين:
قال السيوطي: " فائدة: أردت أن أسرد أسماء من رمي ببدعة ممن أخرج لهم البخاري ومسلم أو أحدهما:
وهم: إبراهيم بن طهمان، أيوب بن عائذ الطائي، ذر بن عبد الله المرهبي، شبابة بن سوار، عبد الحميد بن عبد الرحمن... محمد بن حازم أبو معاوية الضرير، ورقاء بن عمر اليشكري... هؤلاء رموا بالإرجاء، وهو تأخير القول في الحكم على مرتكب الكبائر
____________
1 - تقريب التهذيب 1: 331.
2 - تدريب الراوي 1: 221.
3 - الكفاية في علم الرواية 1: 188.

الموضوع الأصلي : دعوة إلى سبيل المؤمنين
المصدر : القانون الحديث المفقود في الطب
الكاتب: ام خالد

...............................................................................................
ربنا اغفرلي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب
 ام خالد
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
دعوة إلى سبيل المؤمنين
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 2انتقل الى الصفحة : 1, 2  الصفحة التالية

صلاحيات هذا المنتدى:تستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
القانون الحديث المفقود في الطب :: الصفحة الرئيسية :: تعريف بالموقع واهدافه.-
إرسال موضوع جديد   إرسال مساهمة في موضوع